القرار الإيراني بالعفو عن البحارة البريطانيين وإطلاق سراحهم كان من الممكن أن يصدر مبكراً.. بعد ساعات من احتجازهم قبل نحو أسبوعين. فالثابت أن انتهاكهم المياه الإقليمية الإيرانية كان خطأ غير مقصود.. وإلا لأحيلوا إلى محاكمة. ولكن إيران أرادت استثمار الحادثة دبلوماسياً وإعلامياً لأقصى حد ممكن من أجل إذلال «بريطانيا العظمى».
من المؤكد أن المركبة الحربية التي كانت تقل الخمسة عشر بحاراً قد اخترقت الحدود المائية الإيرانية رغم النفي المتكرر الصادر عن توني بلير. فلو كان بلير واثقاً من إدعائه لطلبت لندن من الأمم المتحدة تشكيل لجنة تحقيق دولية. أجل لقد رفعت بريطانيا الأمر إلى مجلس الأمن الدولي لكنها حرصت على ألا تشتمل صيغة شكواها مطالبة بالتحقيق. ولا معنى لذلك سوى أن الحكومة البريطانية كانت تدرك سلفاً أن نتائج مثل هذا التحقيق لن تكون لصالحها.
مع ذلك فإنه ليس من المعقول أن يكون التوغل البريطاني في المياه الإيرانية متعمداً بمعنى أن البحارة البريطانيين كانوا مكلفين بمهمة معينة تستهدف التجسس أو اختراق الأمن الإيراني على نحو أو آخر وإلا لقدمتهم السلطات الإيرانية إلى محاكمة.. أولاً لمعاقبتهم، وثانياً لفضح حكومتهم على الملأ. أجل.. خلال مرحلة ما من مراحل الأزمة أطلق مسؤول إيراني تصريحاً إعلامياً يتضمن تهديداً بمحاكمة البحارة ولكن، كما ثبت لاحقاً، كان هذا التهديد ورقة تفاوضية وليس إجراءً قضائياً.
ما يستخلص في نهاية المطاف هو أن إيران أرادت إذلال بريطانيا دبلوماسياً وإعلامياً عن طريق تطويل الأمد الزمني للأزمة. لقد بلغت الأزمة نهايتها عند صدور قرار من الرئيس الإيراني بالعفو عن البحارة والسماح لهم بالمغادرة إلى وطنهم فوراً. لكن صدور القرار سبقته عملية تفاوضية ثنائية لاشك أن طهران حصلت من خلالها على مكاسب دبلوماسية هي بالحد الأدنى موافقة الحكومة البريطانية على إعطاء تعهد رسمي بعدم تكرار الحادثة مستقبلاً.
وربما يكون الكسب الدبلوماسي أوسع نطاقاً. فبالرغم من أن الرئيس الأميركي بوش الحليف الأكبر لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير أكد علناً أن إيران لن تحصل على «مقابل» نظير إطلاق البحارة البريطانيين فإن مجرد تطرقه لهذا الأمر دون مناسبة يعني أن «المقابل» وارد. فليس خارجاً عن السياق أن يتزامن إطلاق سراح البحارة مع إطلاق سراح دبلوماسي إيراني من المعتقد أن القوات الأميركية كانت تحتجزه مع دبلوماسيين إيرانيين آخرين في مكان ما في العراق.
وربما نسمع أيضاً عن إطلاق سراح هؤلاء الدبلوماسيين الآخرين. على صعيد الاستغلال الإعلامي للأزمة من أجل إذلال بريطانيا كانت الاعترافات المتلفزة للبحارة البريطانيين أنهم انتهكوا بالفعل المياه الإقليمية الإيرانية. إجمالاً كان موقف بريطانيا طوال الأزمة موقفاً ضعيفاً لا يليق بقوة عظمى. فقد كان توني بلير يتعامل مع المسؤولين الإيرانيين من موقع مناشدة أكثر منه موقع حزم.
ولا شك أن الرأي العام البريطاني أدرك مغزى قول الرئيس الإيراني بأن قرار العفو عن البحارة «هدية إلى الشعب البريطاني» وكأنه يؤكد بذلك على الشعور الشعبي البريطاني بأن بريطانيا تدفع ثمن تحالف بلير مع بوش.