جولة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي للمنطقة والتي لم تقتصر على زيارة موطن الصراع في الشرق الأوسط ـ فلسطين الغالية ـ بل شملت الشقيقتين المملكة العربية السعودية وسوريا، تفتح باب الأمل في أن تصل إلى الشعب الأميركي الحقيقة «الغائبة» عن مشاكل الشرق الأوسط. تلك الحقيقة التي تشوهها أبواق الدعاية الإسرائيلية التي رسخت أقدامها على الأرض الأميركية منذ بدء الصراع العربي الإسرائيلي، إلى درجة أن ما يبث من داخل الولايات المتحدة من إعلام ودعاية يبدو في معظمه منحازا ومؤيدا للسياسات الإسرائيلية.
بل إن داخل الكونغرس الأميركي ـ بمجلسيه النواب والشيوخ ـ أصوات تكاد تكون «أبواقا» تردد ما تريد أن تمليه إسرائيل على صانعي السياسة الأميركية سواء داخل البيت الأبيض والإدارة الأميركية، أو داخل مجلسي الكونغرس عند التصويت على تشريعات وقوانين تخدم إسرائيل. ولعل أشهرها في السنوات الأخيرة ما سمي بقانون «محاسبة سوريا».
جولة بيلوسي لها مغزاها وأهميتها في أنها ـ لو استثمرها الجانب العربي ـ يمكن أن تصحح للرأي العام الأميركي ـ الذي تمثل بيلوسي وزملاؤها المشرعون نبض المجتمع الأميركي ـ مفاهيم خاطئة ترسخت في أذهان الأميركيين عن حقيقة أوضاع المنطقة وسياسات دولها العربية «المفترى عليها» من جانب من يتعمدون إغفال الحقيقة أو تشويهها لصالح الجانب الإسرائيلي.
بيلوسي بحكم منصبها التشريعي الرفيع، تعد ثالث شخصية سياسية في الولايات المتحدة من حيث الأهمية بعد الرئيس الأميركي ونائبه. وتستطيع أن تدير دفة مجلس النواب بالأسلوب المؤثر في صنع القرار داخل الكونغرس ـ الذي مهما قيل عن أن الرئيس الأميركي ـ أي رئيس ـ له حق الفيتو في الاعتراض على القرارات التشريعية ـ إلا أن أسهم هذا الرئيس تتقلص وشعبيته تتدهور إذا اصطدم بجموع المشرعين وتجاهل ما يصدرونه من قرارات أو توصيات.
ما يميز جولة السيدة بيلوسي ويحسب لها، أنها قالت لكل من سألها من إعلاميين وصحافيين إنها جاءت إلى المنطقة لتستمع وتتحاور. في دمشق مثلا، أكدت أنها قامت بزيارة سوريا على رأس وفد من البرلمانيين الديمقراطيين والجمهوريين، بناء على توصيات مجموعة الدراسات حول العراق (بيكر هاملتون) التي دعت الإدارة الأميركية إلى فتح حوار مع جيران العراق وبينهم سوريا وإيران.
وكانت أمينة في الكشف عن لقائها المهم بالرئيس السوري بشار الأسد، إذ قالت للصحافيين ومن عليهم أن يسمعوا إليها في واشنطن: «استمعنا إلى رأي الرئيس الأسد، وقالت ممتدحة الرئيس السوري:«نحن سعداء جدّا بالتأكيدات التي تلقّيناها ـ منه ـ بأنّه جاهز لاستئناف محادثات السّلام مع إسرائيل، وعبرنا عن اهتمامنا للتوسط لدفع مسيرة السلام بين إسرائيل وسوريا».
ويجب أن يحسب لبيلوسي أيضا أنها تجاهلت اعتراضات الإدارة الأميركية على زيارة دمشق، مع العلم أن تاريخ رئيسة مجلس النواب الأميركي ـ في التصويت داخل المجلس- كما تقول وكالة الصحافة الفرنسية ـ لا يشير إلى أي تعاطف مع دمشق. فقد شاركت في إعداد قانون محاسبة سوريا وصوتت لصالحه في عام 2003، والذي وقع عليه الرئيس بوش ليصبح قانونا واستند إليه لاحقاً ليفرض عقوبات على سوريا.
زيارة بيلوسي إلى السعودية الشقيقة ومقابلة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، وهي المحطة الأخيرة في جولتها التي اختتمت أمس ـ لها مغزاها وأهميتها أيضا، وهو ما كشفت عنه بنفسها، إذ أشارت إلى أن محادثاتها مع خادم الحرمين الشريفين تركزت على مبادرة السلام العربية، مشيرة إلى الدور القيادي للمملكة العربية السعودية في حل مشاكل المنطقة.
لقد غادرت بيلوسي المنطقة وليست خاوية الوفاض، بل حملت معها إلى واشنطن الحقائق والمواقف العربية التي تعرفت عليها عن كثب، ويبقى أن يتحرك من يملكون صنع القرار الأميركي، لوضع الأمور في نصابها الصحيح وتبني سياسات تخدم العدالة الدولية وتحقق لمنطقتنا الملتهبة الأمن والاستقرار دون محاباة أو انحياز لطرف لا يحترم المواثيق الإنسانية والقوانين الدولية.