سيؤدي كشف محطة سكاي نيوز البريطانية عن قيام البحارة البريطانيين المفرج عنهم باعمال تجسسية قرب الحدود الايرانية الى اضافة احراجات جديدة الى الحكومة البريطانية التي خرجت شبه مهزومة من ازمة احتجاز هؤلاء لاكثر من اسبوعين، بعد اسرهم من قبل القوات الايرانية اثناء قيامهم باعمال الدورية في شط العرب.

فاحد الجنود الاسرى اكد في مقابلة مع المحطة جرى تسجيلها قبل عملية الاسر، انه وزملاءه يجمعون معلومات استخباراتية تشمل كل انواع الانشطة الايرانية في المنطقة الفاصلة مع ايران ، وقد امتنعت المحطة عن بثها حفاظاً على ارواح الجنود الاسرى، الامر الذي يؤكد صحة الرواية الايرانية التي شكك الكثيرون، خاصة في الحكومة البريطانية، بمدي دقتها.

الآن وبعد عودة البحارة البريطانيين الى ذويهم سالمين، فان السؤال المطروح الان، وبالحاح، من هو الرابح ومن هو الخاسر في هذه الازمة؟ كل طرف سيدعي الانتصار دون ادنى شك، ولكن كل الشواهد تؤكد ان الايرانيين حققوا انتصارين كبيرين:

احدهما عسكري تمثل في اسر الجنود في عملية محكمة، والاخر دبلوماسي انعكس في اجبار الحكومة البريطانية على التفاوض مباشرة مع طهران، وتقديم اعتذار لها على خرق القوات البريطانية لحدودها الاقليمية، والتعهد بعدم تكرار ذلك مستقبلا.

فايران نجحت في توظيف هذين الانتصارين في حملة اعلامية ناجحة من خلال الايحاء للداخل الايراني بانها قرصت ذيل الاسد البريطاني، ومرّغت انفه في التراب، وخرجت من هذه المواجهة فائزة بالنقاط على الاقل، ان لم يكن بالضربة القاضية.

الحكومة البريطانية ارادت ان تحتفل بعودة البحارة بطريقة توحي بانها نجحت في الافراج عنهم من خلال دبلوماسية نشطة، تمثلت في حشد الدعمين الاوروبي والاميركي، وتنشيط الوساطات الاقليمية، ولكن مقتل اربعة جنود بريطانيين جراء انفجار لغم ارضي قد يكون من صنع ايراني في دوريتهم جنوب العراق افسد عليها هذه الاحتفالات، وفتح عيون البريطانيين على حقيقة المأزق الذي تعيشه قواتهم في هذا البلد المضطرب.

حلفاء ايران في جنوب العراق هم الجهة المرجحة التي زرعت هذه العبوة الناسفة، ولعلهم اقدموا على هذه العملية لممارسة ضغوط على الحكومة البريطانية للتجاوب مع الشروط الايرانية المفروضة للافراج عن هؤلاء الرهائن، وفي جميع الاحوال تظل هذه العملية رسالة بليغة الى السيد توني بلير تحذره من ان الايام المقبلة قد تكون اسوأ بكثير مما توقع بالنسبة الى قواته في العراق.

المخرج الوحيد، وربما من منطلق تقليص الخسائر، هو انسحاب القوات البريطانية من العراق، حتى لو جرى تفسير ذلك بانه اعتراف بالفشل، وتخل عن الادارة الاميركية الحالية، فحماية ارواح الجنود البريطانيين يجب ان تحتل قمة اولويات حكومتهم، خاصة بعد ان تبين، وبشكل مؤكد، ان الحرب في العراق من غير الممكن كسبها، وان الخــطر الذي يهدد الجنود البريطانيين في تصاعد اكبر.