زيارة رئيسة الكنغرس الأميركي الى دمشق أثارت غضب الرئيس الأميركي الذي لم يتردد في اتهام المسؤولة الأميركية بأنها «تقوّض جهود عزل سوريا»... وهو غضب لا نرى له مبررا أولا لأن السيدة «بيلوسي» تدافع عن مصالح أميركا لكن بطريقة أخرى وبأسلوب مغاير لأسلوب الرئيس بوش.
وثانيا لأن أصل الأشياء أن تسود لغة الحوار لفضّ المشاكل والخلافات بين الدول وليس لغة العزل والحصار... لأن هذه اللغة مهما أوتيت من قدرة على إيذاء الآخرين فإنها لا تبني ثقة ولا تنفس احتقانا وبالتالي لا تحل المشاكل بل تزيد في تعقيدها وفي سدّ الطرق أمام امكانيات حلّها.
هذا الأسلوب الذي دأب الرئيس بوش على اتباعه وفاء منه لمبدإ «من ليس معي فهو ضدي» أثبت عقمه وانعدام جدواه... وقد شهد العالم أمثلة صارخة لتبعات هذه السياسات ولحجم الدمار الذي يمكن أن تجلبه لصورة أمريكا ولمصالحها من جهة وللشعوب المستهدفة بالعزل والحصار والدمار من جهة أخرى.
ولعل العراق الذي خضع لحصار شامل، ظالم ومدمر، استمر حتى غزوه واحتلاله يبقى مثلا صارخا على خطإ مثل هذه المعالجات الأميركية التي تعتمد الحصار ولغة التهديد والعصا في تعاطيها مع الأزمات الدولية.. حيث أن هذا الأسلوب يكشف مفارقة عجيبة ويشي بازدواجية مستهجنة من أبرز نتائجها المباشرة : تدمير صورة أميركا وافراغ سياساتها من أية مصداقية أو مضمون.
وتكمن هذه المفارقة والازدواجية في أن أميركا التي تزعم الحرص على نشر قيم الديمقراطية وحقوق الانسان بما فيها حرية التعبير ولو على ظهور الدبابات والصواريخ تمارس الاقصاء في الواقع وتحرم من يخالفها الرأي والمنهج فرصة بسط وجهة نظره والدفاع عنها.
فلا تحاوره الا بلغة العزل والحصار ولا تكلمه الا بمنطق التهديد والوعيد. وتتناسى أن من يزعم الدفاع عن الديمقراطية يقع عليه واجب اعطاء المثل والقدوة بما في ذلك كل ما يخص العلاقات الدولية... ويجب عليه السعي الى حل المشاكل والأزمات بالحوار الهادئ والرصين القائم على قوة المنطق وليس على منطق القوة.
وبناء على ما تقدم فإن على إدارة بوش وهي تمضي شهورها الاخيرة في السلطة أن تراجع نفسها وتتدارك أخطاءها الفظيعة عساها تكفّر ولو جزئيا عن أخطائها الفظيعة في حق شعوبنا العربية في فلسطين والعراق وسوريا وغيرها.
وهي مراجعة تبدأ باعتبار زيارة السيدة بيلوسي الى دمشق ومواقف الديمقراطيين من قضايا منطقتنا العربية بوابات تفتح سبل الخلاص من ورطتها الثقيلة ومن تركتها القاتلة الناتجة عن منهج العزل والحصار ولغة التهديد والوعيد.