شهدت الجامعات والمعاهد العليا في فلسطين مؤخرا سلسلة من الانتخابات للمجالس الطالبية وقبل ذلك جرت انتخابات نقابية للاطباء وعدد من المهن الاخرى. وقد سارت الامور ولله الحمد خلال عمليات الاقتراع والفرز واعلان النتائج بهدوء بعيدا عن العنف والتعصب الفئوي واختار الطلاب والنقابيون ممثليهم بحرية وشفافية في معظم الحالات وهي ظاهرة صحية يفخر بها الفلسطينيون جميعا.
وليس غريبا ان تعكس هذه الانتخابات المحدودة الصورة التاريخية المشرقة التي ظهر بها الشعب الفلسطيني باكمله خلال اختياره لمن يشغل منصب رئاسة السلطة الفلسطينية عامي 1996 و 2005 ومن يمثله في المجلس التشريعي عامي 1996 و 2006 وقد شهد العالم باسره والخصوم قبل الاصدقاء بقدرة الفلسطينيين على ممارسة حقهم الديموقراطي الى حد تغيير الحزب او الفصيل الحاكم واحلال الحزب او الفصيل المعارض في مقاعد السلطة وهي ظاهرة لم تحدث في دول العالم الثالث ناهيك عن العالم العربي الذي يتصف بديمومة الكراسي وثبات الحاكم في مركزه حتى الانقلاب او الممات.
ومع ان الفصل مستحيل بين النشاط السياسي من جهة والنشاط الاكاديمي او النقابي من الجهة الاخرى فان المصداقية المهنية تقتضي رفع النشاط الذي تقوم به الجامعة او المعهد او النقابة ليكون على رأس اهتمامات المجالس الطالبية والنقابية دون التقليل من شأن الدور السياسي الذي يفترض ان يقوم به الطلبة الذين يعدون مركز الثقل حاضرا ومستقبلا للاطر السياسية الفلسطينية ومن الواجب تشجيعهم وتدريبهم للقيام بهذا الدور الحيوي الذي يكفل الاستمرارية للحياة السياسية الوطنية من خلال رفدها باستمرار بالكوادر الشابة والمؤهلة لادائه.
ومن هنا فان المفروض ان ترتفع الشعارات واللافتات المطروحة او المعروضة خلال الانتخابات المهنية او الطالبية عن المهاترات الفصائيلية والاستفزازات التي تعمق الانقسام بدلا من ان تضع حدا له وان يحل مكانها شعارات ولافتات لمعالجة مشكلات وهموم الطلبة والنقابيين وبرامج محددة للنهوض بهذه الشرائح المتميزة من ابناء الوطن وان يسود الحوار البناء والتنافس الشريف المناظرات والحملات الانتخابية ليفوز بالمقاعد الاكفأ والاقدر على خدمة المصالح الاكاديمية والمهنية بغض النظر عن انتمائه لحركتي »فتح« او »حماس« او الجبهة الشعبية او غيرها من الفصائل ذات التواجد والحضور البارز على الساحة النضالية والسياسية في فلسطين.
ويتعين على القيادات الحزبية والفصائلية ان لا تحمل الانتخابات الطالبية او النقابية ما لا تتحمله او ان تعتبر فوز هذا الفصيل او ذاك في هذه الانتخابات مؤشرا على مدى شعبيته في الشارع الفلسطيني لان هناك عوامل كثيرة تحدد مدى شعبية الحزب او الفصيل ترتبط في الاساس بمدى اقتناع المواطنين بجدية الفصيل او الحزب وتقييمهم لادائه وبرامجه واسلوب تعامله مع القوى الخارجية على اختلاف مواقفها من الحقوق الوطنية والمشروعة للشعب الفلسطيني.
وهذه الانتخابات المحدودة في نهاية المطاف تعد تجارب غنية ومفيدة تثري المتراكم من الممارسات الديموقراطية الفلسطينية وتعطي امثلة ناصعة للشعوب الاخرى يجدر بهذه الشعوب الاقتداء بها والسير على نهجها.