الحرب في العراق التي تخوضها الولايات المتحدة أضحت حربا عبثية ولا نهاية لها وأثارت الانقسامات بين المؤسسة الرئاسية والسلطة التشريعية التي يسيطر عليها الحزب الديمقراطي.
الملل الاميركي عبّر عنه الرئيس الاميركي بوش الذي اعترف بأن الاميركيين سئموا الحرب وأقر بوش في حديث الى الجنود الذين سوف يرسلون الى العراق في احدى القواعد الاميركية في صحراء كاليفورنيا ان الحرب صعبة، ولقد ملّ الشعب الأميركي هذه الحرب ومن خلال التصريحات لبوش ان هناك اعترافا بان الحرب لم تعد مجدية وان مسألة الانسحاب في ظل تراجع شعبية الحرب سوف تكون الخطوة التالية مما يعني ان العام القادم قد يشهد الانسحاب التدريجي للقوات الاميركية تاركا للعراق وللعراقيين مصيرهم وهي عملية سوف تكون فارقة في تاريخ العراق الحديث.
ولعل التصعيد من قبل الديمقراطيين ضد الحرب قد بلغ مداه عندما ربط الكونجرس بين اعتماد التمويل الاضافي للحرب في العراق بجدولة للانسحاب الذي ينتهي في بدايات العام القادم وتحديدا في مارس، ومن هنا فان الضغوط تتواصل على الرئيس بوش وإدارته الجمهورية. وفي هذا الاطار قال هوارد دين رئيس اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي: ان جنودنا وعائلاتهم والشعب الاميركي لم يعد بامكانهم تحمل التزام لا نهاية له بابقاء الجنود في وسط الحرب في العراق.
وهذا يعني ان حملة الرفض ضد استمرار الحرب سوف تشتد مع تصاعد الحملات الانتخابية الأولية حيث المزاج الشعبي سوف يتغير وهنا قد يدفع الجمهوريون الثمن غاليا اذا لم تتخذ خطوات جادة بالنسبة لوضع القوات الاميركية في العراق.
ومع توالي الخسائر في صفوف القوات الاميركية التي تجاوزت 3200 جندي منذ عام 2003 وهو احتلال العراق فان نغمة الرفض ضد بقاء تلك القوات سوف تزداد وهذا يعني مزيدا من الضغط على إدارة بوش وهذا بدوره سوف يغيّر الموازين على الساحة الاميركية خاصة ان استطلاعا للرأي نشرته نيوزويك قال ان 57 في المائة من الاميركيين يحبذون خطة الحزب الديمقراطي لبدء سحب القوات مقابل 36 في المائة يرفضون ذلك الانسحاب.
الحرب في العراق دخلت مرحلة حرجة حيث مشاهد القتل اليومية ومزيد من الجثث المجهولة وتواصل الانفلات الأمني واخفاق الخطط الأمنية والتي كان آخرها خطة أمن بغداد. كل ذلك يجعل الأوضاع في العراق معقدة وتحتاج الى صدق النوايا وتغليب المصالح الوطنية العراقية من قبل ابناء العراق الذين وحدهم يستطيعون إنهاء أزمة العراق والوصول بها الى بر الأمان وهذا بدوره يحتاج الى مزيد من الطرح العقلاني والترفع عن العصبيات والطائفية والدخول في حوار وطني شامل وصريح لا يُستثنى منه احد بحيث يتم التوصل الى قناعات سياسية تحفظ وحدة العراق وسلامة أراضيه والسلم الاجتماعي وإقامة العراق الجديد القائم على التسامح والأخوة والاحترام والعمل لمصلحة كل ابناء العراق.
العراق سوف يبقى وقوات الاحتلال سوف تنسحب في نهاية المطاف وتبقى المسؤولية التاريخية لحفظ العراق وسلامته على عاتق الشعب العراقي ومساعدة اشقائه والمجتمع الدولي حتى يعبر العراق الشقيق المحنة الكبرى التي ألمت به ودفع ثمنها الكثير. القوى السياسية أمام مفترق طرق وأمام لحظة تاريخية وهذا يستدعي التلاحم الوطني والابتعاد عن الأنانية وروح الانتقام الذي لا يفيد احدا حيث يحتاج العراق الى السلام والأمن والبناء وعودة العراق الى محيطه العربي والاسلامي وأن يلعب دوره في كل المحافل وان ينعم شعبه بثروات بلاده وتبدأ عجلة التنمية تدور في كل المحافظات العراقية.