لايسعنا إلاّ أن نرحِّب بالسيدة نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأميركي ضيفةً معززةً مكرمةً في حاضرة الأمويين، وأقدم عاصمة مأهولة على وجه البسيطة.
فبعيداً عن كواليس السياسة ودهاليز الدبلوماسية، وتوافق أو اختلاف المواقف والرؤى، بعيداً عن ذلك، فإن سورية، كعادتها، ترحب بكل الود والاحترام بضيوفها وتفتح لهم أيديها وقلبها وعقلها تماشياً مع تقاليد عريقة متوارثة عبر الأجيال، وانسجاماً مع مواقفها ورؤيتها للأمور واعتمادها لغة الحوار في التعامل مع الدول والأمم والشعوب.
وإذا كنا أبناء حضارة راقية، وإذا كانت لغتنا هي لغة الحوار الجاد والبناء مع الآخرين فحريّ بنا أن نلتزم هذه السمة مع ضيفة كبيرة بهذا المستوى الرفيع تمثل الشعب الأميركي.
وبكل الواقعية نعترف بأن زيارة السيدة بيلوسي، على أهميتها، لن تكون قادرةً على إزالة جميع العقبات التي تعترض سبيل إعادة العلاقات السورية ـ الأميركية الى طبيعتها، أو تجاوز مرحلة سوء الفهم والتفهم، أو تبديد السحب السوداء الكثيفة التي تخيّم على سماء هذه العلاقات وتحول دون التفاهم والحوار.
إلاّ أن ذلك لا يعني أن الزيارة لن تحقق أي نتائج ايجابية. ومع أننا لا نرى ان مجرد القيام بالزيارة يعتبر نتيجة ايجابية بغض النظر عن النتائج التي ستسفر عنها، إلاّ أننا نؤمن بأن الحوار الذي تجريه في دمشق نتيجةٌ على جانب كبير من الأهمية.
فنحن ندرك أن الشارع الأميركي لا تصله حقائق الوضع والمواقف والسياسات في منطقتنا، وإن وصلته فهي تصل عبر قناة واحدة مسبقة الصنع، ولتحقيق أهداف أحادية الجانب، مع كل ما يعنيه ذلك من تغييب مقصود للحقائق، وانحياز وانتقائية وعدم نزاهة.
فقد جرى على مدى سنوات تغييب الحقائق المتعلقة بمنطقتنا عن الشارع الأميركي؛ بل ربما عن شريحة واسعة من الساسة الأميركيين، الأمر الذي أدى الى تكون صورة بعيدة عن الحقيقة عمّا يجري في الشرق الأوسط عموماً، وعن سورية خاصة.
ومازاد في تشويه الحقائق وحجبها عن الأميركيين، تلك المحاولات الرامية الى عزل سورية، وإغلاق كل الأبواب والنوافذ التي قد تفتح لحوار جدّي ومسؤول مع دمشق.
وزيارة السيدة بيلوسي قد تكون إحدى تلك البوابات للدخول في مثل هذا الحوارالجاد، ومعرفة المواقف السورية من المنبع، وليس عبر قنوات ضيقة تعالج فيها هذه المواقف ويتم تحويرها وتحويلها الى ضدها، فتبدو صورة سورية على ما تريده لها جماعة من المحافظين الجدد يهمها، ليس فقط إغلاق أي كوة حوار مع دمشق، بل معاقبتها وعزلها وربما ما هو أكثر!.
ونحن نوافق على بعض ما قالته السيدة بيلوسي في بيروت عندما أعلنت أن «الطريق الى حلّ المشاكل يمر بدمشق»، لكننا نود أن نضيف معلومةً هامةً عن سورية ومواقفها وسياساتها قد تفيد الحوار الذي بدأ والذي نتمنى أن يستمر ويثمر.
فسورية كانت ولاتزال، جزءاً من الحلول وليس من المشاكل، أكان ذلك في لبنان أم في العراق أم في العملية السلمية.
فاذا كانت ضيفة سورية تريد منها العمل من أجل إقامة السلام العادل والشامل فإن دمشق كانت على الدوام داعية هذا السلام في وقت عملت فيه اسرائيل على نسف أي فرصة لإحلال مثل هذا السلام، ووثائق البيت الأبيض والخارجية الأميركية تؤكد ذلك، إضافة الى ما ورد في تصريحات ومذكرات العديد من كبار المسؤولين الأميركيين السابقين ،وفي مقدمتهم الرئيس وليم جيفرسون كلينتون الذي كان شاهد عيان على جزئيات مفاوضات السلام وعلى جدية سورية وعبثية اسرائيل وتهرّبها من استحقاقات وثمن السلام.
واذا كانت تريد دوراً سوريّاً في العراق، فإننا كعرب أولاً، وكسوريين ثانياً، الأكثر حرصاً على أمن واستقرار ووحدة العراق، أرضاً وشعباً ،لأننا ببساطة أول المتضررين من الفوضى والعنف والإرهاب وعدم الاستقرار في هذا البلد، والموقف السوري ينسجم مع موقف بيلوسي الرافضة للحرب على العراق.
وإذا كانت السيدة بيلوسي تسعى الى مساهمة سورية في مكافحة الارهاب فإن سورية من أوائل الدول التي عانت من الإرهاب واكتوت بناره، وبالتالي من أوائل الدول التي كافحت الارهاب بقوة وحزم ونجحت في ذلك نجاحاً كبيراً... وها هي سورية اليوم تعتبر، بشهادات دولية لا يرقى اليها الشك، البلد الأكثر أمناً وأماناً في العالم.
ومَنْ وقع لسنوات تحت سيف الارهاب وإجرام الارهابيين وتصدى لهم بنجاعة واقتدار في وقت كان الآخرون «يتفرجون» إما شماتةً أو عدم مبالاة، فهو الأقدر على فهم هذه المشكلة الدولية، والأكثر قدرة على التعامل معها بشكل جدي والإسهام مع الجهود الدولية الصادقة في مكافحته.
واذ نعيد الترحيب بالسيدة بيلوسي نؤكد لها أن لا قضية مستعصية على الحل إذا صدقت النوايا، وإذا تم اعتماد الحوار الجاد والبنّاء بين أنداد وعلى قاعدة الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين.
كما نؤكد للسيدة بيلوسي أننا شعب لا يتحلى بكرم الضيافة واحترام الضيف وتفهّم أفكاره ورؤاه فقط، وإنما شعب يعشق الحرية والحياة، ويقدس حرية الرأي والرأي الآخر، ويتمنى على الآخرين تفهم حضارته و ثقافته ومخاوفه وهواجسه ولاسيما أن جزءاً من أرضه لايزال تحت الاحتلال، وأن السلام الذي ينشده لايزال بعيد المنال.
لقد شددت السيدة بيلوسي على أهمية الحوار مع دمشق، وهذا أمر غاية في الايجابية، وستجد أننا محاورون جيدون، وأننا ندرك ـ كما تدرك ضيفة سورية ـ أن الحوار «أوتوستراد» بخطين متوازيين، ولا يمكن أن يسمى حواراً إذا كان طريقاً باتجاه واحد.