القوى العظمى يتساوى عندها الحلال والحرام إذا ما تماشيا مع مصالحها أو عاكساها، والمنطقة العربية دخلت كل الألعاب السياسية، لكنها لم تتجاوز نفسها بما يؤهلها لدور أكبر معتمدة على ذاتها حتى لا تصادر حرياتها وقراراتها، ولذلك كانت عوامل الفشل للأحزاب والتجمعات بمختلف تياراتها غالباً ما تكون محسوبة على جهة خارجية، أو داخلية تتعرض لضغوط مستمرة.

أميركا ذهبت مراكز بحوثها إلى محاولة سد فراغ فشلها بعمل لا يعتمد على الحكومات وإنما على المنظمات المتغلغلة في الشارع العربي، ورشحت أن يكون تيار الإخوان المسلمين المعتدل هو من تستطيع به أميركا أن تمرر معظم توجهاتها واستراتيجياتها من خلاله ولهذا السبب تأتي دعوات التعامل من منطلق أن عناصرهم القيادية قابلة للتعاطي مع كل الطروحات بما فيها نبذ العنف وقبول إسرائيل، والسير بالاتجاه الديمقراطي إلى غاياته البعيدة، لأنهم الوحيدون بالساحة العربية الذين لديهم رصيد شعبي كبير.

هذا الرأي مقبول من حيث الشكل ومرفوض من حيث المضمون، والسبب أن أي نظام يحاول أن يمرر الأهداف الأميركية يبقى عرضة للتساؤل بما في ذلك ما يوضع في دوائر الاتهام بالتبعية لأهداف تتعارض مع الأهداف القومية، ولذلك فشلت العديد من الواجهات الحزبية وحتى الشخصية التي اعتمدت خلق مراكز بحث أو إدارات نشاط سياسي أو ثقافي، لأنها تحمل الوجه الأميركي بأقنعة سرية.

نعرف أن أميركا تتصرف بحسها كدولة عظمى، لكن إذا افترضنا صدق اتجاهها فهل الإخوان المسلمون من الغباء لكي يجازفوا بتحمل أعباء دولة عظمى فشلت في معظم مشاريعها وهم الذين لهم طروحات واضحة من كل القضايا بما فيها فلسطين، ولذلك فإن أي تعامل من هذا النوع تحدد مساره أميركا سيضعهم في حرج أمام قاعدتهم الشعبية، وثانياً لا ندري كيف ستتعامل أميركا مع تيارات وديانات ومذاهب قد لا تتطابق مع أفكار الإخوان، إلا إذا أرادت أن تخلق شكلاً جديداً لصراعات جديدة على مبدأ فرّق تسد في منطقة تعوم في بحر من الخلافات.

قد تكون المنظمات هدفاً استراتيجياً، وقد حدث في عهد الاتحاد السوفياتي أن كانت الأحزاب الشيوعية، والبعثيون والقوميون العرب أكثر تغلغلاً بالشارع العربي، لكنها فشلت لأنها رفعت شعار الأممية والقومية على حساب التنمية والتعليم ونشر الحريات، ولذلك جاء سبب التراجع والزوال من خلال اتساع مفهوم ثقافي ووعي خاص بأن تلك الاتجاهات لم تلبّ طلباتهم، ولذلك اختفى نفوذ قوة عظمى حاولت تحقيق اختراق شعبي يجعلها سيدة المرحلة والمستقبل..

لا نستطيع القول بفشل التوجه الأميركي لكنها بممارساتها السياسية واعتبار إسرائيل محور حركتها ومركز نفوذها، لا يلبي طلباتها أو يضعها في موازين الدولة المقبولة، وهي التي تتعارض سياساتها وأهدافها مع جملة غايات يدخل فيها المقدس وخاصة المواقع الإسلامية والأرض العربية في فلسطين..