ما رآه الدكتور علي الكعبي وزير العمل خلال جولته المفاجئة على أقسام ديوان الوزارة في أبوظبي مطلع هذا الأسبوع من فلتان الموظفين وترك مقاعد العمل بحجة «الصلاة»، وما صاحب ذلك من استياء وقرار اتخذه الوزير بتحديد مدة زمنية لا تزيد على ال30 دقيقة، فأبشر الوزير أن وزارته ليست الوحيدة التي يتخذ موظفوها ـ مع الأسف ـ الصلاة كحجة «للزوغان» من الدوام وترك المراجعين يضربون أخماسا في أسداس، بل هي حالة عامة تشهدها كل أو معظم دوائر الحكومة،
فالملاحظ أن أجهزة البصمة التي تحدد مواعيد الحضور والانصراف التي وإن تمكنت من ضبط المواعيد نوعاً ما إلا أن أي جهاز في العالم أجمع لن يكون في وسعه ضبط الدوام ما لم يكن الموظف من تلقاء نفسه حريصاً على أداء مهام وظيفته وأن يكون حسيباً ورقيباً على نفسه.
والفلتان هذا لا يقتصر على الموظفين دون الموظفات، بل إن لبعض الموظفات حكاية مع صلاة الظهر التي تحرص الواحدة منهن عليها كل الحرص، ربما لم يكن الأمر كذلك خارج الدوام، ولكن طالما في الأمر «بريك «من العمل فلا بأس في ذلك، وعلى الرغم من أنهن لا يؤدين الصلاة جماعة، إلا أن التجمع يبدأ تباعاً ليس في المسجد أو القاعة المخصصة للصلاة،
بل في دورات المياه التي تشهد أثناء الوضوء زحاماً وثرثرة نسائية غير عادية وكأن الواحدة منهن كانت ممنوعة من الكلام طوال الوقت فتستغل الفرصة لإخراج كل ما بداخلها خاصة شحنات الغضب والثورة ضد مديرها أو مديرتها، وشيء من الحش والقراض وأكثر الأحاديث تدور حول اهتمامات النساء المعهودة.
مع فصول الثرثرة يبدأ السيناريو اليومي بإزالة طلاء الأظافر قبيل الوضوء ولتسهيل المهمة فإن قنينة «الأسيتون» حاضرة على الدوام للاستخدام الجماعي يليها إزالة الماكياج، ووضع الحلي والساعات جانبا كي لا تتأثر بالمياه، ينتهين من الوضوء والثرثرة مستمرة وتتشعب الأحاديث حيث تختلط الأصوات والمواضيع، ولا يعد المستمع من بعيد أو الساكت بين تلك الأصوات إلا أن يسمع ما يشبه أزيز النحل،
ينتهي الوضوء فتبدأ المرحلة الثانية وهي إعادة الوجه كما كان معها تتحول المغاسل إلى ما يشبه محل التجميل، بعد مدة من الزمن يعود كل شيء إلى وضعه في عمل استغرق وقتا أكثر مما ينبغي لتسمع الواحدة منهن تتذكر أنها على وشك أداء الصلاة فتبادر قائلة: يا ربي.. استغفر الله..
يغادرن الدورات وقد انتعلن الشباشب «الزنوبة» إلى المصلى لأداء الصلاة في دقائق معدودة، وأخريات يتبعن الصلاة بقراءة القرآن الكريم. وفي اليوم التالي إذا بإحدى الموظفات أو عاملة النظافة تبحث عن صاحبة خاتم عثرت عليه، أو لوحة على باب دورات المياه لموظفة تبحث عن ساعة يد مفقودة.
هذا ناهيك عن أمر آخر ربما لم يكن شائعا في كل مصليات المؤسسات لكنه واقع وهو جنوح بعض الموظفات إلى النوم، بل السبات العميق حتى تعلو أصوات شخيرها، هذا ورمضان لا يزال بعيدا أما في نهارات الشهر الكريم فالنوم يتم في احتفالية جماعية هامسة، مستغلات بذلك أن المصلى آمن ولا يجرؤ أحدهم على دخوله ليعوضن بذلك ساعات السهر وقلة النوم.
وقبل أن يغرق الرجال في الضحك نقول إن هؤلاء ساحتهم ليست بريئة كما يظنون، بل أن خروج بعضهم لأداء الصلاة تسبقه وقفة هنا وأخرى هناك من أجل التدخين الممنوع في دوائر الحكومة، وإن صادف وجود مقهى للشيشة بالقرب من مقر العمل فلا بأس من «نفس» لتعديل المزاج ريثما يحين موعد الغداء. والصحيح أنه لا أحد ضد أداء الصلاة في مصليات ومساجد وزارات ودوائر الحكومة التي لا تخلو منه أي مؤسسة، بل لا بد أن يتم وفق ضوابط ومواقيت تحدد لها، فالصلاة لا تعني إهمال العمل وواجب الوظيفة، وتأجيل معاملات الناس وتأخير مصالحهم.