الاقتصاد قبل السياسة في العمل العربي المشترك، والقوي اقتصاديا يفرض نفسه سياسيا. أما الضعيف اقتصاديا فلا صوت له بين الأقوياء. فالمواطن العربي اليوم بحاجة إلى لقمة العيش، إلى العيش الكريم إلى وظيفة ومسكن قبل الذهاب للتصويت وقبل التفكير في العمل السياسي. هكذا إذن يرى اقتراح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الذي قدمه قي قمة الخرطوم، النور.

قمة الرياض قررت عقد قمة عربية كل سنة تُخصص حصريا للشؤون الاقتصادية والتنموية والاجتماعية. والهدف هو وضع برامج وآليات عملية لتعزيز وتفعيل الاستراتيجيات التنموية الشاملة. وأخيرا أدرك العرب أن الاقتصاد هو مفتاح نجاح العمل المشترك وأن السياسة والشعارات الرنانة والفارغة لن ولم تأت بشيء منذ أكثر من ستة عقود من الزمن. فالمنظرون للوحدة العربية وللتكامل العربي والعمل العربي المشترك كانوا يظنون منذ الخمسينات أن الوحدة تتم عن طريق السياسة أولا ثم بعدها يأتي الاقتصاد.

والنتيجة بعد أكثر من خسين سنة جاءت بالفشل الزريع حيث أن العرب خسروا سياسيا وفشلوا في كسب معركة التنمية المستدامة والتطور والتقدم. فالرهان على السياسة لم يأت بنتائج إيجابية حتى في المجال السياسي. أما بالنسبة للاقتصاد فحدث ولا حرج فالفشل الكبير في مجال التنمية المستدامة أدى إلى تدهور الأوضاع في مجالات أخرى كالتعليم والبحث الإعلامي وتكوين الإنسان وإدماج الجماهير في المشاريع التنموية المختلفة.

رؤوس الأموال متوفرة في بعض الدول العربية، واليد العاملة متوفرة في دول عربية أخرى، ومجالات الاستثمار متوفرة في مجموعة أخرى من الدول العربية ولم يبق في واقع الأمر سوى التنسيق بين هذه الدول لتحقيق التكامل الاقتصادي والاندماج والتلاحم بين شعوب الوطن العربي. فما هو مطلوب هنا هو وضع التشريعات والإجراءات التنظيمية والتسهيلات الضرورية لجمع رؤوس الأموال بفرص الاستثمار باليد العاملة بالمواد الأولية وب300 مليون مستهلك. يبقى التنسيق لاستثمار تريليونات الدولارات في الدول العربية.

فالتبادلات التجارية بين الدول العربية لا تكاد تذكر وتريليونات الدولارات المستثمرة في أوروبا والولايات المتحدة من الأجدر أن تُستثمر في البلدان العربية للقضاء على الفقر وأسباب التخلف والتقهقر والإرهاب والتهميش والإقصاء. وتجدر الإشارة هنا إلى بعض الاستثمارات الإماراتية والقطرية في مصر والمغرب والجزائر وهي مبادرات ممتازة جدا من شأنها أن تفتح الطريق أمام المزيد في السنوات القادمة من أجل التكامل العربي ومن أجل نجاح العمل العربي المشترك.

فالاتحاد الأوروبي بدأ بالسوق الأوروبية المشتركة في سنة 1957 أي بالاقتصاد وها هو اليوم يحقق نجاحاته وانتصاراته على التكتلات العالمية من خلال اليورو ومن خلال توحيد العملة وفتح الحدود وتوحيد التعرفة الجمركية بين أعضائه...الخ. فالاقتصاد القوي يعني الرفاهية ويعني الظروف المعيشية الجيدة ويعني التقسيم العادل للثروة ويعني توفير فرص النجاح للجميع. فالشعوب في معظم الدول العربية تبحث عن العيش الكريم، والديمقراطية في ظل البطالة والفقر والتهميش لا تعني شيء.

فالتجارة البينية والمشاريع المشتركة بين الدول العربية تكاد لا تذكر. فإذا أخذنا على سبيل المثال دول المغرب العربي نلاحظ انعدام شبه تام للتبادل التجاري بين دول الاتحاد وقد لا يتعدى 5% من حجم التجارة الخارجية لكل بلد مغاربي.

بينما نلاحظ التبادل التجاري بين دول الاتحاد المغربي وأوروبا يتجاوز 65%. وإذا نظرنا إلى مجلس التعاون الخليجي نجد كذلك أن التبادل التجاري بين أعضائه لم يصل إلى المبتغى وما زال بعيدا عن المعدلات الموجودة في التكتلات والتجمعات المختلفة في العالم. فلا وجود، على سبيل المثال، لخطط سكك حديدية ولا بحرية وفي بعض الأحيان حتى الخطوط الجوية لا تتوفر بين العديد من العواصم العربية. وهذا يعتبر تناقضا صارخا إذا قارناها بالشعارات الرنانة التي ألفناها منذ أكثر من خمسة عقود من الزمن.

فالجامعة العربية بحاجة إلى تفعيل منطقة التجارة الحرة والاتحاد الجمركي والاتحاد الاقتصادي. كما أنها بحاجة إلى إنشاء مجلس عربي للثروة السمكية بهدف توفير الأمن الغذائي العربي ووضع استراتيجية للتعاون والتنسيق والتكامل بين الدول العربية في مجال الثروة السمكية. ويجب هنا الإشارة إلى مجلس الوحدة الاقتصادية العربية الذي أعد استراتيجية للعمل الاقتصادي العربي تمتد من عام 2000 إلى 2020

ويتضمن البرنامج التنفيذي لهذه الاستراتيجية أربع مراحل رئيسية أولاها تتضمن منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، والثانية تتضمن إقامة الاتحاد الجمركي والثالثة تتعلق بقيام السوق العربية المشتركة والمرحلة الرابعة والتي تتوج المراحل السابقة في 2020 ستخص قيام الاتحاد الاقتصادي العربي.

أما في المجال الزراعي فالوثيقة المقترحة تستعرض استراتيجية التنمية الزراعية للعقدين القادمين 2005-2025 وتتضمن خمسة أهداف رئيسية طويلة الأجل مبنية على استراتيجية متكاملة في استخدامات الموارد الزراعية وتعزيز قدرتها التنافسية بمشاركة القطاع الخاص، وتحقيق الاكتفاء الذاتي والنفاذ بالمنتجات الزراعية العربية للأسواق العالمية، أهم نقطة في هذا المشروع هي رعاية العاملين في القطاع الزراعي والاستغلال الأمثل للموارد المائية وحمايتها وصيانتها.

من خلال القمة الاقتصادية السنوية يستطيع العرب التنسيق لتشجيع القطاع الخاص للعمل الاقتصادي والتنموي المشترك بحيث يتم اختيار المشاريع الاقتصادية والتنموية المطلوبة والتي تخدم التكامل الاقتصادي والاندماج الاقتصادي العربي من جهة والمواطن في العالم العربي من جهة أخرى.

كما أوصت قمة الرياض في دعوتها لعقد قمة عربية خاصة لمناقشة المسائل الاقتصادية والاجتماعية والتنموية بالاهتمام بتفعيل الاتفاقات الثنائية والاقليمية بما يصب في مصلحة الاندماج والتكامل الاقتصادي العربي وفي مصلحة العمل العربي المشترك والتركيز كذلك على إعطاء الأولوية لمشروعات البنية التحتية كشبكات الطرق والسكك الحديدة والنقل الجوي والبري والبحري والربط الكهربائي والاتصالات.

والسؤال الجوهري يبقى ماذا بعد التوجه نحو الاقتصاد والاهتمام بهذا الملف الذي يعتبر أساس نجاح أي عمل مشترك. والكلام عن الاقتصاد يقودنا للكلام عن الإدارة والتسيير والاستغلال الأمثل للموارد البشرية والمادية التي تنعم بها الدول العربية. وهنا يأتي الكلام على الشفافية والديمقراطية وصناعة القرار الرشيد.

كما يأتي الكلام عن التخطيط والرؤية الاستراتيجية وعن سوء الإدارة ونهب المال العام وتفضيل المصلحة الشخصية على مصلحة الوطن. كل هذا يعني أن هناك تحديات كبيرة جدا تواجهها كل دولة عربية على حدة ثم يأتي الكلام بعد ذلك عن التحديات على مستوى ال22 دولة عربية فيما يخص التخطيط والبرمجة لبلوغ الاندماج والتكامل.

وهنا يجب الكلام على الإصلاح الاقتصادي على مستوى كل دولة عربية. قرار الجامعة جاء في وقته ومهم جدا لكنه يعتبر بداية لمشوار طويل يعتبر هو الأساس لبناء عمل عربي مشترك يقوم على الاندماج والتكامل من أجل تحقيق مصالح الشعوب العربية.

لقد حان الوقت أمام الدول العربية لتعي أنها أمام اختيارين لا ثالث لهما، إما الإصلاح والشروع في الديمقراطية والتخلي عن الآليات البالية السلطوية التعسفية، أو البقاء على ما هي عليه وهذا يعني الموت البطيء والخنوع والخضوع للقوى الخارجية التي تتربص بالوطن العربي وعلى رأسها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية.

التفكير في قمة اقتصادية سنوية هي انطلاقة سليمة تضع ترسبات الماضي جانيا وتبدأ مرحلة جديدة على أسس سليمة قوامها الديمقراطية واحترام الفرد في الوطن العربي، لأن السلطة الحقيقية تكمن في الشعب وليس في أجهزة البوليس والمخابرات وقوات الردع.

الأمر يتطلب إعادة ترتيب أوضاع النظام العربي الجديد بإجراء إصلاحات حقيقية على المستوى الداخلي لكل قطر عربي وعلى مستوى العلاقات العربية بما يحقق التنمية الشاملة والإصلاحات السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية في إطار نظام عربي متكامل يقوم على الديمقراطية واحترام الشعوب العربية بالدرجة الأولى واحترام الدول الأعضاء بدون مزايدة ولا مساومة.

فالشعوب العربية تحتاج اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى اقتصاد متكامل وقوي وفعال لمواجهة الظروف الصعبة التي تمر بها الأمة العربية وللوقوف أمام التكتلات والقوى العالمية التي تتربص بالوطن العربي.

كلية الاتصال

جامعة الشارقة