ثمة أسئلة عديدة تطرح نفسها بعد أن جدّد مؤتمر القمة العربية في الرياض طرح «المبادرة العربية للسلام»، التي كان طرحها قبل ذلك بسنوات، في مؤتمر قمة بيروت (2002). فهل ثمة جدوى من طرح هذه الخطة مجددا؟ ثم ماذا إذا رفضت إسرائيل التعامل معها؟ وأخيرا هل ثمة خيارات بديلة أمام العرب؟

واضح أن السؤال الأول يستمدّ وجاهته، أو شرعيته، من حقيقة أن إسرائيل كانت رفضت هذه الخطة وتجاهلتها تماما، حين إعلانها لأول مرة قبل سنوات، وأنها فضلا عن ذلك، قامت بمعاودة احتلال المناطق التي تديرها السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وأمعنت في تشديد الحصار على الفلسطينيين في مدنهم وتجمعاتهم، وعملت كل ما من شأنه لإضعاف كيانهم الناشئ، وبالتالي جمدت عملية التسوية جملة وتفصيلا.

مع كل ذلك فربما أن الجواب عن هذا السؤال يكمن في وجود تقدير لدى الأطراف المعنيين، بشأن أن الظروف العربية (بما فيها الفلسطينية) والإسرائيلية والدولية، تبدو في هذه المرحلة مواتية لإعادة تعويم هذه المبادرة وتفعيلها، وإيجاد ديناميات جديدة لها.

فعلى صعيد الوضع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وبالقياس للوضع في العام 2002، ثمة اليوم واقع من الإنهاك والشعور بعدم الجدوى وميل للتهدئة، في الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ في حين أن المبادرة حينما طرحت لأول مرة، كانت الانتفاضة والمقاومة في أوجها، وكانت إسرائيل تدير حربا مدمرة ضد الفلسطينيين.

ومن جهة الوضع العربي، فثمة اليوم، مثلا، وضع جديد في لبنان، بمعطيات عربية ولبنانية، لا تسمح لمقاومة حزب الله بالتحرك، في حين أن سورية تواجه ضغوطات دولية وإقليمية. فضلا عن ذلك فثمة مخاطر ناجمة عن صعود النفوذ الإيراني في المنطقة، وثمة فوضى أمنية وسياسية واجتماعية كبيرة في العراق، يخشى من استمرارها وامتدادها لدول أخرى في المنطقة، وثمة محاولة دولية لتفعيل محور جديد يضم الدول المعتدلة في المنطقة.

على الصعيد الإسرائيلي تبدو حكومة ايهود أولمرت على غاية من الضعف والتفكك، وهي بحاجة إلى مبادرة سياسية ما لإعادة تعويم ذاتها سياسيا، بعد أن كانت قد طوت خطة «الانطواء»، المتعلقة بالانسحاب الأحادي من الضفة، بسبب التداعيات الناشئة عن الإخفاق العسكري في حرب لبنان (يوليو 2006)، وبسبب من تراجع شعبية حزبي كاديما والعمل في المجتمع الإسرائيلي.

أما على الصعيد الدولي، فمن الواضح أن خطة «خريطة الطريق»، التي كانت طرحتها الإدارة الأميركية (2003)، وتبنتها «اللجنة الرباعية»، استهلكت تماما.

الآن ماذا إذا رفضت إسرائيل المبادرة مرة ثانية؟ الواقع أن لاشيء يضمن تعاطي إسرائيل بشكل ايجابي مع هذه المبادرة، وبما يتناسب وطموحات العرب، بقيام سلام شامل ودائم ومتوازن. خصوصا أن إسرائيل أعلنت بلسان رئيس وزرائها، ايهود اولمرت، ونائب رئيس وزرائها شمعون بيريز ووزيرة خارجيتها تسيبني ليفني، بأنها ترحب بهذه المبادرة ولكن بدون شروط (على طريقتها).

بمعنى أن إسرائيل، كعادتها، ستتعمد التعامل بشكل انتقائي مع المبادرة العربية للسلام، بحيث تلح بشأن استحقاقات السلام والتطبيع والتعاون الإقليمي، في حين أنها تتملص من الاستحقاقات المطلوبة منها، وعلى الأرجح فإن إسرائيل ستواصل نهجها في التعاطي مع هذه المبادرة على أنها مجرد نوع من العلاقات العامة، وتقطيع الوقت، وخلق ديناميات جديدة، لفرض أجندتها؛

وهذا هو معنى كلام أولمرت عن التغير الثوري في السياسة العربية (يقصد القبول بإسرائيل)، ومعنى كلام بيريز عن عدم الموافقة على التفاوض على السلام بشروط. وهذا هو معنى كلام تسيبني ليفني عن القبول بالسلام مع رفض حق العودة ورفض العودة لحدود 1967، وربما أن إسرائيل ستتعامل مع المبادرة العربية، هذه المرة،

كما تعاملت مع خطة خريطة الطريق، فهي لن ترفضها، لأسباب داخلية وخارجية (أميركية)، ولأسباب برغماتية تتعلق بفتح طريق العلاقات والتطبيع المتبادل مع العالم العربي، وإنما هي ستتعامل معها شكليا، وستبدي التحفظات على بعض بنودها، خصوصا البند المتعلق بعودة اللاجئين، والبند المتعلق بالحدود (وضمنه بند القدس).

على ذلك، وفي ظل هذا الموقف الإسرائيلي، فإن العرب سيواجهون خيارات سياسية محدودة للتعامل مع الموقف الإسرائيلي.

هكذا فثمة خياران أمام العرب في التعامل مع الموقف الإسرائيلي، إزاء المبادرة، الخيار الأول، وهو يتمثل بقبول تكرار تجربة مؤتمر مدريد (1991)، التي لم تتمخض عن شيء يذكر حتى الآن على صعيد عملية التسوية، بعد أن تحولت هذه العملية إلى مجرد عملية علاقات عامة وتضييع في الوقت،

وفرض وقائع في الأراضي العربية المحتلة لصالح إسرائيل، وفي هذا الحال فإن العرب لا يملكون إلا الاستمرار في التعاطي مع الوقائع اليومية، ومسايرة عملية التسوية، كما هو حاصل فعلا، حتى الآن، بالإضافة طبعا إلى مفاعيل الضغط على إسرائيل، بشكل أو بآخر، مع تعزيز جهودهم على الصعيد الدولي، لخلق المعطيات التي تدفع إسرائيل نحو الاستجابة لعملية السلام بكل استحقاقاتها، وفق عملية تدرجية طويلة الأمد تأخذ في اعتبارها المماطلات والتملصات الإسرائيلية،

ولاشك أن هذا الخيار يعني تسليم العرب بالتعامل مع الأمر الواقع، ومسايرة إسرائيل في سياساتها المتعنتة إلى حين خلق معطيات سياسية جديدة على الصعيدين الدولي والإقليمي.، وبديهي أن هذا الخيار سيكون مكلفا وباهظا من الناحية السياسية، كونه يترك كل شيء لمفاعيل الزمن، ويتيح لإسرائيل الاستمرار بالاستفراد بالفلسطينيين وفرض املاءاتها عليهم.

أما الخيار الآخر، أو البديل المتاح، فيتمثل برفض العرب الاستمرار في اللعبة الإسرائيلية، التي حولت عملية التسوية إلى متاهة، والتوجه نحو العالم بخطاب واضح وشفاف وحاسم، يتم الإعلان فيه عن تحميل المجتمع الدولي، وبخاصة الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة المسؤولية عن تفعيل عملية السلام، بعد أن أوضح العرب موقفهم منها، واستعدادهم التام لها، وفقا للقرارات الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام،

وعلى أساس مشروع الدولتين، وطبيعي أن هذا الخيار يتضمن تجميد عملية السلام مع إسرائيل، بكل تجلياتها وأبعادها، وتركها تتدبّر نفسها بعيدا عن محيطها، دون أن يعني ذلك إعلان الحرب عليها؛ وهذا بات مجرد حالة شكلية أو نفسية لا تفيد شيئا، ومعنى ذلك أن العرب في هذا الخيار معنيون بالتوجه نحو حسم أمورهم لتطوير بناهم الداخلية، وتنمية قدراتهم الذاتية، وتحقيق التكامل في أوضاعهم، بدلا من البقاء رهائن الصراع العربي ـ الإسرائيلي، الذي بات مجرد حالة افتراضية، تستنزف الوضع العربي، من دون جدوى سياسية.

ولاشك أن التحول في هذا الاتجاه هو الذي يمكن العرب من التحول إلى فاعل إقليمي يحسب حسابه، في دعم الحق الفلسطيني، وفي تقرير مستقبل المنطقة، كما يمكنهم من مواجهة التحديات الإسرائيلية، وفرض السلام العادل والشامل والمتوازن.

كاتب فلسطيني