نظراً للتحولات المتسارعة ومتطلبات العصر الحالي الدائم التجدد، يواجه النمط التقليدي للإدارة الحكومية وما ورثه من قيم وثقافة إدارية سالبة الكثير من التحديات عالمياً إذ ما برحت الكثير من الحكومات المعاصرة ذات التوجه اليقظ والنشط ، حتى قبلت التحدي وعملت على تفكيك أنظمتها البيروقراطية الجامدة ، والتركيز على إعادة الارتباط بالمواطن وبناء شبكات علاقات تبادلية جديدة ركائزها قطاعات ثلاثة هي العام والخاص والتطوعي والتى كان لتبنيها ولتطبيقها في الدول المتقدمة الكثير من الإيجابيات

خاصة حقلي إدارة موارد الدولة وتقديم الخدمة الفعالة وإشراك المواطن في كيفية تقديمها. هذا التحدي المذكور امتد أثره إيجابياً إلى المنطقة العربية ليبشر ويقترن ببزوغ فجر الاتساع المؤسسي لمنظومة الحكم والإدارة وهو ما يعني عملياً تعزيز وتنامي الأدوار المترابطة للقطاع الخاص ومؤسسات القطاع العام والمنظمات الطوعية ومؤسسات المجتمع المدني غير الحكومية، والتي تعمل مجتمعة على تعزيز ما يسمى بالحوكمة (الحكم الرشيد).

هذا النمط المستحدث للعمل الاداري يعمل على تقوية العلاقة مع المستفيد من خلال تقديم الخدمة للجمهور بصورة متميزة، مثيرة وغير مسبوقة محورها ونقطة ارتكازها آليات النزاهة والشفافية والمساءلة الإدارية مما يولد ويحدث التكامل والترابط لمنظومة عمل الموجهات التنموية لمختلف القطاعات المجتمعية.

واتساقاً مع سباق التنمية والتطوير الذي يجري عالمياً والذى تغذيه كما ذكرنا مبادئ الحوكمة، وجهت القيادة السياسية للدولة بالعمل على إعادة تشكيل وتوجيه القطاع الحكومي سواء على المستوى الاتحادي او المحلي ليكون مواكبا للتغيير ومتناسبا حجمه مع ما يقوم به من مهام.

والأهم طبعا في هذه المرحلة هوان يكون متوائما ومدعماً لشراكة التنمية ومفعلاً لدينامكية الاقتصاد الوطني الذي يراد له أن لا يكون معتمدا كلياً كما في الماضي على المزايا النسبية كالموقع الاستراتجي، والموارد الطبيعية مثل البترول والغاز وغيرهما. بل معتمداً على ما يسمى حديثاً بالمزايا التنافسية .

وهي المزايا التي تتكئ على آليات التطوير والإبداع للإنتاجية مع الحفاظ على مزايا التحسين والجودة لهذه الإنتاجية المتدفقة مضافاً إليها استقطاب الاستثمارات العالمية وتهيئة كل السبل الإدارية السهلة والميسرة لعملها. أضف إلى ما سبق، تنمية ثقافة الادخار لدى مكونات وقطاعات المجتمع،

وطبعاً لا ننسى أن هذه المزايا ما كان لها أن تتعزز وتنجح في اى مجتمع كان لولا ارتكازها على رأس مال بشري وطني مفعل ومسلحاً بالقدرات المطلوبة والكفاءات اللازمة لكافة احتياجات وأعمال آليات السوق المفتوحة ومتبنياً ومستلهما لسياسات وإجراءات هذا النظام التنافسي الجامح، والذى من ضمن تحدياته ظهور أنماط جديدة من العمل ونوعيات من الوظائف لم يكن لها وجود من قبل.

إن الموجهات التنموية التي برزت كاستجابة للتحديات المستجدة والتي تتسق مع توجهات القيادة السياسية تمثل منظوراً جديداً يتطلب استجابة وتفاعلاً من الإدارة الحكومية سواء على المستوى المحلي أو الاتحادي فكراً وفلسفةً واتجاهاً وممارسة إلا أنه من خلال التمعن والمعايشة الفعلية للنمط المستعمل في تقديم الخدمة سوى من ناحية الإجراءات،الوسائل والنظم ،ندرك انه مازالت ردود الأفعال للعديد من الاجهزة العامة، لا تبشر بوهج تغييري هاضم للمتطلبات المتسارعة ومدركاً للتطلعات والآمال الملقاة عليها مما يؤهلها في حقيقة الأمر إن هي استبصرت المطلب وتحدياته، المجاراة والتفاعل بديناميكية.

وهذا ما يؤهلنا للقول، إنه بالرغم من المدة المحددة لهذه الأجهزة الإدارية من القيادة السياسية للتأهل وإحداث التغيير الملموس والتي من بينها جعل الجهاز الاداراى العام أكثر كفاءة، وفعالية، وإنتاجية، وشفافية، واستجابة.

مازالت وتيرة العمل للأسف في الكثير من القطاعات الحكومية دون التوقعات والآمال وبالرغم من إطلاق بعض الاجهزة المنوط بها تطوير القطاع الحكومي، لبعض الحوافز التنظيمية والمادية. فالنهج التقليدي للعمل مازال سائدا والثقافة التنظيمية ظلت متمحورة حول القيادة المكبلة بالشخصانية، الهياكل الهرمية ،اللوائح والإجراءات والأنشطة التقليدية، وبالرغم من إن كل المؤشرات توحي بأن المخرجات الخدمية للكثير من هذه الاجهزه لم تعد مواكبة لمتطلبات اليوم ولتطلعات الغد.

لهذا يثور الجدل حول الأسباب الرئيسية للمعضلة مما يجعلها تبحث وتستجدي خبرات جلها أجنبية لعلها تمدها بحلول لإجراءات وطرق تكون متوافقة ومتوائمة مع الدور الجديد المنوط بها. ولكن قبل تطبيق أي إجراءات جديدة لابد من التشخيص الدقيق لمكونات هذه الأجهزة سواء من ناحية التنظيم أو القدرات البشرية. وكثيرا ما تعزو نتائج التشخيص لعدم المواكبة في هذه الأجهزة إلى وجود حالة من ضعف البناء المؤسسي أو الرغبة الصادقة لدى القيادة الادارية لهذه الأجهزة المعنية في الاستفادة من الفرص المتاحة للتغيير والمواكبة.

ومن خلال الخبرة والاحتكاك يمكن إرجاع سبب الضعف والوهن الذي تعانى منه الكثير من منظمات القطاع العام حاليا ، إلى سيطرة العقلية الأحادية للقيادات الإدارية وغياب النصيب الوافر من أسس التمكين الرأسي والتعضيد الافقى لجل العاملين بهذه الأجهزة.

إن البناء المؤسسي الذي يبنى ويقوى القدرات التنظيمية والبشرية وفقا للأنماط العصريه ظل غائبا لفترة ليست بالقصيرة ولهذا كان الوهن وغياب الإبداع طاغيا وواضحاً على المخرجات عندما أتى التمحيص. فالسياسات والنظم المرتبطة بالمنهج اللائحي والإجرائي التقليدي لهذه الأجهزة الإدارية، جعلها مكبلة وغير متوافقة مع تحديات المرحلة. فالنمط التقليدي الذي يتمحور حول شخصانية رئيس الجهاز أو المدير العام، أوجد من خلال الشواهد عوائق عديدة منها:-

التخندق المفرط لآلية التفكير في الاتجاه النمطي (الانطواء والانغلاق على الذات).

استمرارية التمسك والتشبث بالمهام التقليدية وكبت أي تفكير مخالف.

عدم وجود آلية جماعية في هذه الأجهزة تنزع إلى استشراف المستقبل.

تمركز العملية الإدارية في هذه الأجهزة في شخص الرئيس أو المدير العام مما أوجد غيابا تاما لآلية التمكين الحقيقي للموظفين ذوي الرؤى التطويرية.

ظلت بعض القيادات الإدارية تفهم التغير بنمط شكلي مما جعلها تلجأ إلى إضفاء نوع من الوعود البراقة والعبارات المبهرة مستخدمة في ذلك الأدوات الإعلامية المختلفة التي تركز على أدوارها وتحركاتها مع أنها في الحقيقة لم تمس جوهر التغيير المطلوب أو تحقق تحسينات تذكر بحيث يمكن عدها مكسبا للإنجازات الواضحة.

اعتقاد البعض من القيادات الإدارية بأن التغيرات المطلوبة هي مجرد موضة عابرة أو تطلعات قد لا تحقق أو بالأصح لا تتطلب إجراءات عملية أو تغيرات جذرية.

إن متطلبات النسق القيادي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء حاكم دبي كما كانت وبانت أخيرا في منتجع باب الشمس، تستدعي الارتقاء بالنمط التفكيري للقيادات الإدارية من حيث سلوكياتها الإدارية والإنسانية في أعمال المؤسسات العامة وأطرها التنظيمية حتى تتوافق مع رؤاه وتوقعاته.

فهو الذي يعمل جاهداً وبوتيرة متسارعة ليجعلها متكيفة لمتطلبات عصر العولمة والتنافس الحاد، وهو كذلك، المصمم وبدون أدنى شك، على إخراجها من الأبراج العاجية والانعزال الوظيفي الذي وسمت به.

وهو الذي سيجعل الهم الأكبر لهذه القيادات الإدارية ان هي ارادت التكيف ومسايرة الركب، العمل الجاد لزيادة التركيز على استقطاب وتكوين وتفعيل رأس المال البشري الوطني وصيانته وإعادة توجيهه وإشراكه في الرؤى والأهداف المستقبلية وعدم حكرها على «الشللية الإدارية». هذه الأفكار وغيرها هي التي غالبا ما يترتب عليها إعادة تكوين وبناء القدرة المؤسسية لأجهزتها والخوض حاضرا ومستقبلا في درب التطوير والتميز.

إن من أهمية متغيرات المهام ولوجا إلى المستقبل، وتعزيزا للسمة المؤسسية وثوابتها في القطاع الحكومي، ما يمكننا الختام به وهو أنه أصبح من الأجدر والأولى للقائمين حالياً على تسيير الأجهزة والمؤسسات العامة إن هي أرادت التغير والمواكبة تبنى نمطا معاكسا لتلك السلوكيات والرؤى الناقصة التي ركزت لفترة غير قصيرة على شخص القيادة الإدارية وجعلها نقطة الارتكاز وليست القدرة المؤسسية الجامعة (الإنسان، النظم، الشرائع.....)

وكذلك استبدال الثقافة المؤسسية القديمة وأطرها الشخصية والتنظيمية بقيم وثقافة مواكبة لحاجات العصر ومتطلباته بحيث يكون جوهرها الفعالية وتقوية القيم المعيارية للجدارة والكفاءة والمرونة والتفاعل مع متطلبات الخصخصة والمخاطرة، خدمة المستفيدين وتحقيق رضاهم والشفافية في الطرح والنتائج. والاقتناع التام من جانب القيادات الإدارية أيضا،

بأنه لا يمكن للبهرجة الإعلامية والوعود البراقة غير الملموسة أن تقنع شريحة عريضة من مكونات المجتمع، بأن ما يتبناه البعض منها حاليا وبدون إضافة حقيقيةً، هو الآلية المعتمدة للتغير المستقبلي المنشود. وحتى تصبح قراراتنا الادارية منشودة في الأعم، لا بد لها ان تكون مثيرا للاهتمام ويتم تبنيها داخليا وفق أنظمة مؤسسية محصلتها رضاء الموظفين ودعمهم المتواصل والذي لن يتم إلا عبر آلية التحفيز المادي والمعنوي، وتلمس تأثيرها خارجيا بتقديم خدمة متميزة تكسب رضاء المواطن وتكفل ثقته.

خبير التطوير والموارد البشرية