يمكن القول دون مبالغة إن الباحثين العرب المقيمين في أوروبا والذين يكتبون بالفرنسية أو الانجليزية أو سواهما أصبحوا منارات للعالم العربي والاسلامي بمجمله. وبما اني اعرف الساحة الفرنسية أكثر من غيرها بحكم إقامتي الطويلة في بلاد فيكتور هيغو وسارتر فاني استطيع القول بان أبحاث المفكرين المغاربة من أمثال عبد الرحيم لمشيشي او فتحي بن سلامة أو عبد الوهاب المؤدب أو غيرهم لا مثيل لها في المشرق العربي للاسف الشديد.

فالمشارقة لا يزالون عموما أسرى الايديولوجيا القومجية الاصولية التي تصم الاذان وتعمي العقول، هذا في حين أن المغاربة تحرروا منها إلى حد كبير. نقول ذلك وبخاصة أنهم يعيشون في بلاد الغرب ويكتبون باللغات الاجنبية وهكذا يقيمون مسافتين لا مسافة واحدة عن مراكز القمع والضغط الشعبي أو الرسمي. فالبحث العلمي يحتاج إلى رصانة وحرية كاملة وبخاصة عندما يتعلق الامر بموضوعات حساسة كالدين والسياسة.

يؤسفني أن أقول بان المثقفين المشارقة أو قسما كبيرا منهم لا يزالون خاضعين للمعايير الايديولوجية والديماغوجية القديمة التي سادت في الخمسينات أو الستينات من القرن الماضي والتي عفى عليها الزمن. ولكن لا تزال بعض الديناصورات والمومياوات المتحنطة متعلقة بها حتى الان. ارجوكم اعفوني من ذكر الاسماء فهي معروفة للجميع وتملأ بصراخها الفضائيات العربية وبعض الجرائد.

لحسن الحظ فان عبد الرحيم لمشيشي يمشي في خط معاكس تماما لانه يلتزم بمعايير البحث العلمي فيما يخص دراسة العلاقة بين الدين والسياسة. والباحث المذكور هو استاذ الاقتصاد السياسي وسياسات الاتحاد الاوروبي والعلاقات الدولية في جامعة جول فيرن في منطقة البيكاردي الواقعة شمال باريس. وكان قد نشر حتى الان عشرات الدراسات والكتب حول موضوع الاسلام السياسي أو ما يدعى بالاصولية.

يكفي أن نعدد هنا بعض عناوين كتبه لكي ندرك أهمية الموضوعات التي طرقها على مدار العشرين سنة الماضية. فأول كتاب أصدره عام 1989 كان بعنوان: الاسلام وحركات الاحتجاج السياسي في المغرب الكبير. ثم تلاه كتاب آخر عام 1991 بعنوان: الجزائر في أزمة. وكانت بلاد هواري بومدين وجميلة بوحيرد قد دخلت آنئذ في معركة كسر العظم بين الاصوليين والعلمانيين كما هو معروف.

ثم تلاه كتاب ثالث عام 1992 بعنوان الاصولية في الجزائر. ثم ألف هذا الباحث النشيط جدا والمنتج كتابا عاما عام 1994عن الموضوع التالي بعنوان: الاسلام ، الاصولية ، الحداثة. وفي هذا الكتاب الهام يدعو المؤلف الغربيين إلى عدم الخلط بين الاسلام والاصولية.

فالاسلام دين كبير ومليئ بالمقاصد الاخلاقية والقيم الروحية العالية، هذا في حين أن الاصولية هي تيار متطرف يستغل الاسلام لغايات سياسية أو انتهازية أو سلطوية ولا يتورع عن ارتكاب أبشع أنواع العنف للوصول إلى غاياته..ثم يكشف المؤلف عن الحقيقة التالية: وهي أن الاصولية هي نتاج عاملين أساسيين: الاول هو فشل بعض الانظمة في تحديث المجتمعات العربية بعد الاستقلال وسقوطها في مستنقع المحسوبية والرشاوى والفساد والفئوية وانعدام المصلحة العامة بشكل كلي تقريبا.

والثاني هو انتشار الفقر والبؤس الاجتماعي في شرائح واسعة من السكان وبالتالي فلم يبق أمامهم إلا أن يلقوا بأنفسهم في أحضان هذه الحركات الاحتجاجية الراديكالية. ولكن المؤلف يثبت أيضا وجود تيار آخر في العالم العربي غير التيار الاصولي: ألا وهو تيار إسلام العقل والتقدم والتنوير والحداثة. ولكن لا احد يتحدث عنه في الغرب لانه لا يصرخ كثيرا ولا يلجأ إلى العنف كما يفعل الاصوليون..

وهناك كتب أخرى لعبد الرحيم لمشيشي نذكر من بينها: العلاقة بين الاسلام والغرب أو الاسلام وأوروبا: هل هو صدام حضارات أم تعايش ثقافات؟ ثم: الجغرافيا السياسية للاصولية الخ..وقبل أسابيع معدودة اصدر كتابا هاما تحت عنوان: الجهاد. مفهوم متعدد المعاني والدلالات. وهو من أفضل ما قرأته بالفرنسية حول الموضوع. وأستغرب كيف أن كتابا كهذا لا يترجم فورا إلى لغة الضاد.

فنحن المعنيون به قبل كل البشر. واعتقد أن معظم كتب هذا المؤلف لم تترجم بعد. نقول ذلك على الرغم من أنها تلقي اضاءات ساطعة على المشاكل الاساسية التي تشغل العالم العربي والاسلامي بل والعالم ككل في هذه اللحظة. أين هم المسؤولون عن أقسام الترجمة في العالم العربي وماذا يفعلون؟ وعلى أي أساس يختارون الكتب للترجمة؟ ولكني اعرف لماذا لا يترجمون هذا النوع من الكتب.

فهو يتحدث بكل صراحة وجرأة عن موضوع حساس وخطير جدا. وبالتالي فهو ممنوع.. ولكن كيف يمكن أن تنحل مشاكلنا إذا كنا نؤجل إلى ما لا نهاية طرق الموضوعات الحساسة؟ أكتب هذا الكلام وأنا اشعر بالغضب بعد أن سمعت بعض الصحفيين الديماغوجيين يهاجم مؤتمر القمة العربي الاخير لانه دعا إلى تجديد مناهج التعليم وتطويرها لكي تصبح أكثر انفتاحا على العصر وأكثر تسامحا تجاه الشعوب والاديان الاخرى.

ثم راحوا يهاجمون هذا التوجه بحجة انه إسلام أميركي !!شئ غريب ولا يكاد يصدق. لكأن جمال الدين الافغاني ومحمد عبده وطه حسين وجمال البنا ومحمد خاتمي وحسن حنفي ونصر حامد ابو زيد و محمد اركون وعشرات المجددين والمبدعين الاخرين كانوا يشتغلون من اجل الاسلام الاميركي!هؤلاء فكروا في موضوع الاصلاح الديني والمصالحة بين الاسلام والحداثة قبل أن يخطر على بال أميركا بعشرات السنين..

هكذا نلاحظ أن الغوغائيين الذين لم يجلبوا لهذه الامة إلا الخراب من خلال المغامرات الجنونية السابقة يريدون أن يقطعوا الطريق مسبقا على كل تنوير أو إصلاح بحجة انه عمالة أو تبعية للخارج.وكلما تغلب صوت العقل والحكمة في العالم العربي جن جنونهم وخافوا على مستقبلهم الذي لا يزدهر إلا في جو الشعارات الفارغة والجوفاء التي جعلت العرب أضحوكة للعالم اجمع.

وأخيرا يمكن القول بان الحركات الاصولية التي بلغت أوجها بين عامي 1970 و 1990 وشكلت الامل الطوباوي أو الوهمي لملايين البشر أخذت بالأفول والانحدار بعدئذ. فبدءا من عام 1995 لم يعد يؤمن بها حتى اتباعها السابقون. واكبر دليل على ذلك تراجع معظمهم عن خط العنف والاغتيالات والتفجيرات التي شوهت سمعتهم كثيرا داخليا وخارجيا فأصبحوا يدعون للتغيير الديمقراطي وبوسائل سلمية.

بل ووصل الامر بحسن الترابي إلى طرح فتاوى جريئة تخرج على الفقه الطائفي القديم للقرون الوسطى، الشيء الذي دفع بالتيارات السلفية الانغلاقية إلى إدانته فورا بتهمة الخروج على الاسلام..ويمكن أن نذكر أيضا تراجع الاصوليين الاتراك عن البرنامج القديم لنجم الدين اربكان وتطبيقهم لبرنامج آخر في ظل طيب رجب اردوغان الذي دعا القمة العربية إلى مكافحة التعصب وإعطاء صورة أخرى عن ديننا الحنيف. وحسنا فعل. وهذا يعني أن الاصولية التركية تطورت تحت ضغط الاحداث وممارسة السلطة من جهة، ثم تحت ضغط التيارات العلمانية التحديثية في المجتمع التركي من جهة أخرى.

هذا دون أن نتحدث عن التأثير الكبير للاتحاد الاوروبي. فالتشريعات والقوانين التركية أصبحت في قسم كبير منها خارجة على فقه القرون الوسطى وأقرب ما تكون إلى التشريعات الحديثة التي تستلهم مبادئ فلسفة التنوير وحقوق الانسان والمواطن.

وبالتالي فالسؤال المطروح هو التالي: هل دخلنا في عصر ما بعد الاصولية؟ من المعلوم أن الباحث الفرنسي اوليفييه روا كان قد طرح نفس السؤال سابقا وأجاب عليه بالايجاب عندما تحدث عن فشل حركات الاسلام السياسي لان مشروعها مضاد لحركة التاريخ ومنطق التطور. واعتقد أن معه الحق في ذلك.

كاتب سوري

باريس