أصبح العرب في وضع لا يُحسدون عليه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، سواء من خلال الهجمة العسكرية الغربية، الأميركية بالأساس، على بلادهم، أو من خلال تلك الهجمة الإعلامية والأكاديمية البحثية الغربية عليهم. بل إن هذه الهجمة قد طالت أيضاً معتقداتهم ودينهم، بحيث وصلت إلى مستويات بالغة العدائية ضد العرب والمسلمين. لقد لعبت أحداث سبتمبر دوراً كبيراً في ذلك التصعيد العدائي الموجه ضد العرب والمسلمين، بحيث يمكن القول إنها كانت أحداثاً مفصلية في ذلك التصعيد العدائي ضدهم.

ومما لا شك فيه أن تلك الصورة التي رسمها الغرب كصيغة للتعامل مع العالم الإسلامي بعامة، وللتعامل مع العرب على وجه الخصوص، قد أثرت على طبيعة التواصل فيما بينهما. فالصورة العدائية التي رسمها الغرب للعرب وللمسلمين، قد قابلها في الوقت نفسه صورة أخرى عدائية رسمها العرب والمسلمون للغرب بشكلٍ عام، وللولايات المتحدة الأميركية على وجه الخصوص.

وفيما بين العداء والعداء المضاد ضاعت فرص عديدة وممكنة للتواصل بين الطرفين، وزادت حدة المسافة وبعدت فيما بينهما. إن تواصل الاحتكاك والمواجهات فيما بين الغرب من جانب والعالم العربي والإسلامي من جانب آخر، قد دفع بالمواجهات الخطابية والعدائية إلى مستويات غير مسبوقة، شملت العقائد والعادات والتقاليد والهويات والشعوب والوجود التاريخي. وفي غمرة هذه الأحداث تعاظمت المعوقات العربية الداخلية التي أدت إلى المزيد من المواجهات بين الطرفين.

تلعب الفجوتان الحضارية والتكنولوجية بين العالمين الغربي من ناحية والعربي الإسلامي من ناحية أخرى، دوراً كبيراً في الإحساس العربي بذلك الخوف من الغرب، والرغبة في مقاطعته ومواجهته. وإذا كان هناك جانب كبير من العداء العربي للغرب، وعدم التواصل معه، ينبع من عدوانية الغرب تجاه العرب والإسلام، فإن جانباً آخر ينبع من ذلك الإحساس بالتدهور العربي الإسلامي على كافة المستويات الحضارية المختلفة.

وتخلق حالة التخلف العربي الإسلامي المعاصر ازدواجية حادة في التوجه نحو الغرب. فالبعض يُحمل الغرب مسؤولية تردي الأوضاع في العالم العربي، ولا يرى الغرب إلا بوصفه منبعاً للشرور والآثام، بينما يرى البعض الآخر أننا نحن السبب فيما آلت إليه أوضاعنا المتخلفة، وأن الحل الوحيد يكمن في ضرورة توجهنا المطلق نحو الغرب، والنهل من ثقافته وحضارته وتقدمه.

يلعب التخلف الحضاري العربي الإسلامي المعاصر دوراً كبيراً في خلق ذلك الحاجز النفسي الذي يعيق التواصل مع الآخر الغربي، خصوصاً في ظل الاستعلاء الذي أصاب البعض من العرب والمسلمين الآن تجاه الآخرين. وهذه الحالة تنجم إما عن توجه نفسي مُسبق يرفض الآخر الغربي، ويرفض التعامل معه، وإما عن جهل معرفي بحقيقة وضعية القوى العالمية، ووضعية العرب والمسلمين فيها.

وفي كلتا الحالتين، هناك حكم مُسبق، وجهل بأحوال العالم، وتحولاته الراهنة، وغطرسة مُفرطة في تضخيم الذات، والتقليل من شأن الآخر الغربي. وهذه الحالة كثيراً ما تُصيب الأمم التي تستشعر أهميتها، بدون أن تستند إلى آليات حقيقية وفعلية آنية تتيح لها أن تمارس أدوارها الكونية بفاعلية وتأثير حقيقيين.

يرتبط بما سبق، ولا ينفصل عنه، ذلك الربط بين الغرب وبين مشروعاته التبشيرية المناهضة للإسلام والمسلمين. ورغم صحة هذا الربط إلى حدٍ كبير، فإنه قد ولد نوعاً من الخوف تجاه كل ما يمت بصلة لأية مشروعات غربية في المنطقة. وهنا تنشأ إحدى معوقات التعامل مع الغرب، وهي مخاطر التعميم، والتعامل مع الغرب ككتلة واحدة بدون أية اختلافات بين عناصرها.

وإذا كان المرء لا يمكنه أن ينكر سعي الكنيسة الغربية إلى التبشير في مناطق كثيرة من العالم، بما فيها العالم العربي، إلا أن هناك الكثير من المؤسسات الغربية التي تساهم في تنمية الكثير من المناطق الفقيرة في العالم، بدون أن ترتبط مساعيها بنشر المسيحية، وتحويل المسلمين عن دينهم.

كما أن المسلمين أنفسهم مسموح لهم بالدعوة الحسنة للإسلام في معظم، إن لم يكن في كل، الدول الغربية، واضعين في الاعتبار الفرق بين ضخامة وهيمنة القوى الغربية التي تستند إليها الكنيسة في تبشيرها، وبين الضعف الحالي للإسلام والقوى المساندة له.

إن العيب هنا، ليس في الارتباط بالإسلام، والدفاع عنه، فمسألة العقيدة مسألة حياتية بالنسبة للعرب المسلمين في المنطقة، كما أنها كذلك بالنسبة للغرب المسيحي، لكن العيب يتمثل في النظر للآخرين، الغرب بالأساس، في ضوء النظرة الإسلامية، والحكم عليهم من خلال هذه النظرة.

وهذه النظرة تدعم من المركزية الإسلامية التي لا ترى سوى غيرها، كما أنها أيضاً تُضعف من إمكانية فهم الآخر، وإمكانية الاستفادة من خبراته العلمية والتكنولوجية والحضارية، مثلما فعل المسلمون الأوائل مع غيرهم من الحضارات الأخرى اليونانية والفارسية التي جاورتهم، وكانت أكثر تقدماً منهم. يمكن للعرب الالتفاف حول الإسلام، والارتباط به، والدفاع عنه، مع الانفتاح على الآخرين.

ومن المسائل الهامة التي يصعب غض الطرف عنها عند تناول التعامل مع الآخر الغربي مسألة الهوية والدفاع عنها. فالهوية تبرز بوصفها ذلك الكائن الضخم غير المتعين الذي يفرض نفسه أمام أية محاولة للحوار مع الآخر الغربي. وهي تنتقل من كونها حالة معبرة عن الواقع العربي المعاصر، ومرتبطة به، إلى حالة مقدسة تعطل من مسيرة هذا الحوار، بحيث تلقي في مساراته الكثير من العقبات والعوائق.

والهوية حينما تنتقل من مستواها الحضاري المتفاعل مع الآخرين، إلى مستواها المقدس المتمركز حول الذات، والمترفع عن الاشتباك مع الحضارات والثقافات الأخرى، تؤدي لا محالة إلى الجمود والتكلس والتخلف قياساً لتقدم الحضارات والثقافات الأخرى. فالعربي المعاصر يتمترس بالهوية، حتى وهو لا يدرك عناصرها ومكوناتها اللازمة والضرورية لوجودها كعامل تحصين ضد التوغل والهيمنة الغربية.

وكلما زادت وطأة التخلف الحضاري والإحساس بالهيمنة الغربية زادت حمى اللجوء للهوية والتمسك بها، بدون أن نعرف عن أية هوية نتحدث، وما هي موجبات التمسك بها. إن العالم العربي المعاصر أحوج من أي وقت مضى للبحث عن هويته والتمسك بها، شريطة أن تكون هوية مرنة تشتبك مع العالم المحيط، وتكتسب آلياته ومستحدثاته، وتتعامل معها برغبة أكيدة في التطور والإحلال والابتكار. وهنا تصبح الهوية ليست مجرد كلمة يرددها من يشاء، ويستخدمها من يشاء، كأداة انعزال وتكلس وهروب من المواجهة الحضارية الحالية مع العالم الغربي الأكثر تقدماً وتطوراً.

وفي ضوء التأثيرات المختلفة لأجهزة الإعلام العربية ينسحب هذا التصور إلى عموم المواطن الغربي، الذي يتم تنميطه في صورة ذلك الإنسان المادي الأناني الذي لا يهمه سوى إشباع غرائزه المادية المختلفة، كما تصبح المرأة الغربية هي المرأة العارية التي ليس لها من هم سوى الجنس والعُري.

ومن مفارقات عملية التنميط هذه أنها موجودة أيضاً لدى الآخر الغربي، حيث يتم تصوير الإنسان العربي على أنه ذلك الإنسان الهمجي البربري المحب للمال والنساء، الشغوف بالقتل والإرهاب وترويع الآخرين، وتقييد حرية المرأة واستعبادها. وهي نظرة نمطية غير صحيحة على كلا الطرفين من حيث إنها لا تفترض النسبية، وتتسم بالتعميمية المفرطة المخالفة للمواضعات والتفسيرات المجتمعية والإنسانية الواقعية.

من أبرز ملامح العلاقة بين الغرب والعالم العربي أنها تتم من خلال فضاء نخبوي ضيق يقوده مجموعة من المثقفين المعدودين، بحيث يشكلون مجريات ومسارات هذه العلاقة إما بالإيجاب أو بالسلب. وتَوقُف حدود التعامل بين الغرب والعالم العربي على نخب فكرية محدودة يضاعف من عوائق التواصل فيما بينهما، كما أنه لا يمنح هذا التواصل آفاقاً جديدة رحبة وواسعة من التعامل والتفاعل فيما بينهما.

وخطورة هذه المحدودية أنها تفرض على العلاقات بين الغرب والعالم العربي تصورات محدودة منحازة في توجهاتها عن مجريات الأمور في كلا الطرفين، من حيث هيمنة هذه النخب المثقفة على المؤسسات البحثية، وعلى المؤسسات الإعلامية المختلفة.

إن من أهم معوقات التواصل بين البشر بشكلٍ عام، وبين الغرب والعالم العربي الإسلامي بشكلٍ خاص، هو الوقوف عند عناصر الاختلاف وموجبات الصراع أكثر من الوقوف عند عناصر الاتفاق وموجبات الحوار. وعلى ما يبدو أن الطبائع البشرية مولعة بالوقوف عند عناصر الاختلاف وتجاهل عناصر الاتفاق؛ فالتركيز على عناصر الاختلاف يُبرز عناصر التفوق، والإحساس بالهيمنة على الطرف الآخر.

فحينما يركز الغرب على وضعية المرأة في العالم العربي، فإنه ينتقص من مجتمعاتنا العربية الديكتاتورية، حيث ينتقل من هذا المستوى إلى المستوى الديني، ليلصق ذلك بالإسلام والقواعد الخاصة به. وحينما يركز العالم العربي على وضعية المرأة الغربية، فإنه ينتقص من وضعيتها وتسليعها الجسدي، لينتقل من ذلك لتجريم الغرب المسيحي الذي يفتقد لأية قيم أخلاقية، ويعيش من أجل الإشباعات الحسية المباشرة. وهذه الوضعية، تقود إلى عدم رؤية أي من الطرفين سوى نفسه، وسوى ممارساته، بوصفها الوصفة السحرية التي يجب على كافة المجتمعات البشرية اتباعها ومراعاتها والالتزام بها.

من الضروري عدم تركيز التفاعل بين الغرب والعالم العربي والإسلامي على ما يثير الصراعات، ويؤجج حدة الكراهية بين الطرفين، رغم الصعوبات التي ترتبط بذلك. ومن هنا فإنه يمكن القول بأن المسألة رهنٌ في أحيان كثيرة بالنوايا الحسنة بين الطرفين، كما أنها رهنٌ بإيجاد حلول جذرية للكثير من الصراعات الدامية المفتوحة بين الغرب والعالم العربي.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com