المفاجأة السارة التي أعلنتها طهران، بالإفراج عن البحارة البريطانيين لقيت الترحيب والارتياح في كل مكان. خاصة في المنطقة المثقلة بالأزمات. فالمشكلة كانت مرشحة لأن تتحول إلى قضية، يجري شحن وتأزيم الصراع الدائر بها. وهذا الأخير كان أصلاً قد بدأ يقترب من درجة الغليان. موضوع البحارة جاء بمثابة الوقود، الذي كان محكوماً بتسريع التصعيد ودفعه باتجاه التفجير. على الأقل هكذا أوحت الوجهة التي أخذها. مع إحباط مثل هذا الاحتمال، صار المشهد أزمة بالناقص.

هذا بحدّ ذاته، مبرر للارتياح، وحتى للتفاؤل ولو الحذر. لكن الأهم من التنفيس الذي أحدثه إطلاق سراح المحتجزين، هو أن تجاوز الأزمة وتمكينها من بلوغ هذه النهاية المحمودة، قد تحقق عن طريق الحوار. مستشار رئيس الوزراء البريطاني الخاص بالشؤون الخارجية والدفاعية السير نايجل شاينوالد، فتح خط التفاوض مع الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني. وكان التوصل إلى صيغة أدّت إلى الإعلان ـ المفاجأة.

طبعاً كل طرف كان له حساباته وأيضاً مصالحه وأولوياته، التي تقاطعت وأنجزت الحلّ السريع. كل منهما ظهر في موقع الرابح. أما كيف وماذا وعلى أي أساس، أو ما إذا حصلت صفقة أم لا؛ فهذا كله ليس بالأمر الجوهري هنا. المهم أنه قد حصل اختراق. وما يجدر التوقف عنده هو أن الطرفين قد تمكّنا من اللجوء إلى فتح القنوات الهادئة الباردة، بالرغم من سخونة اللحظة؛ المشحونة بكل عوامل التفجير.

الحصيلة كانت أن «المنطقة قد تخففت من لغم إضافي؛ وهو آخر ما تحتاجه الآن. الأمر الذي لا بد وأنه رفع من أسهم الدبلوماسية التفاوضية، وقدرتها على التصدي للمشكلات والنجاح في تفكيكها؛ مهما كانت عميقة ومعقدة. خاصة وأن ما أدى إليه الحوار البريطاني ـ الإيراني من نتيجة إيجابية وسريعة قد سبقها وصول توافقات على الطريقة نفسها: بين واشنطن وكوريا الشمالية، ثم بين فتح وحماس، في اتفاق مكة.

فإذا كانت مثل هذه الملفات الشائكة، التي بدت أحياناً وكأنها تستعصي على الحلحلة قد بلغت شاطئ الأمان من خلال التواصل والجلوس على الطاولة، فإن الملفات الأخرى العالقة والخطيرة يمكن معالجتها بنفس المقاربة والأسلوب.

في الواقع كل أطراف هذه الملفات ـ العراقية واللبنانية والإيرانية ـ النووية، يتحدثون عن الحوار وأهميته واستعدادهم للانخراط فيه. لكنه إما أن الإرادة بقيت غائبة، وبالتالي تعذر تحقيق النتائج ـ كما في العراق ولبنان على وجه التحديد ـ وإما لأن خيار الحوار لم يؤخذ به من كافة المعنيين، وخاصة من جانب واشنطن؛ فيما يتعلق بالعلاقة مع طهران ودمشق.

العزوف أو الفيتو في هذا المجال أدى إلى المراوحة في أحسن الأحوال. وأزمات المنطقة ما عادت تحتمل «راوح مكانك». لقد أثبتت قضية البحارة وما سبقها مع كوريا وفي الساحة الفلسطينية أن توفر النية في بلوغ الخواتم السلمية عن طريق الأخذ والعطاء والقبول بالصيغ الوسط التي تحفظ ماء الوجه للفرقاء؛ هو المفتاح لنجاح أي حوار. وما أحوج المنطقة وأزماتها والمعنيين الدوليين والإقليميين بها إلى هذا الخيار والحسم في اعتماده لطي كافة الملفات المشتعلة أو المرجحة للاشتعال.