ظهرت البراعم الخضراء الصغيرة على أشجار التفاح والخوخ والدرّاق في المناطق الشمالية للساحل الشرقي للولايات المتحدة الأميركية في وقت أبكر بكثير مما جرت العادة في كل عام.
وقبل أكثر من ثلاثة أسابيع تم تقديم عقارب الساعة ساعة واحدة إيذاناً بدخول الربيع قبل موعده المعتاد بمدة طويلة. وللمرة الأولى منذ العام 1877 لم ير أهل نيويورك الثلج وهو يتساقط على مدينتهم في شهري نوفمبر وديسمبر، كما سجلت هذا العام درجات غير مسبوقة منذ 111 عاماً في نيوجرسي ( سي أن أن 10/3 ).
ولم يكن هذا الشتاء الدافئ مقتصراً على الولايات المتحدة الأميركية، بل تعداه إلى نصف الكرة الأرضية الشمالي، كما أكدت إدارة شؤون البحار والطقس الوطنية التابعة للحكومة الأميركية، التي اعتبرته الأدفأ منذ أن بدأت في تسجيل درجات الحرارة قبل 125 عاماً، حيث ارتفعت درجة الحرارة الإجمالية للبحار واليابسة في الفترة الممتدة بين شهري ديسمبر وفبراير عن معدلها بمقدار 72,0 درجة مئوية. وأضافت أن درجات الحرارة في ارتفاع مضطرد بمعدل خُمس الدرجة المئوية كل عشر سنوات ( البي بي سي 16/3 ).
ولعل أكثر المناطق التي يمكن ملاحظة تأثير التغيرات المناخية عليها هما القطبان المتجمدان الشمالي والجنوبي، فقد نشرت مجلة كرستين سينس مونيتور (22/3) نقلاً عن مجلة سينس الأميركية أن القطب الشمالي يفقد كل عام مساحة جليدية من مساحته تقدر بثمان وثلاثين ألف ميل مربع، وأن المناطق الجليدية في انحسار منذ أن بدأت المراقبة الجوية عبر الأقمار الصناعية في العام 1979. وتشير المجلة إلى توقعين بخصوص اختفاء جليد هذا القطب: المتفائل يشير إلى بداية القرن القادم، أما التوقع المتشائم فإنه يقدم هذا التاريخ كثيراً ليضعه في حوالي العام 2040!!
ويُلقي معظم الباحثين في علم البيئة والأرصاد الجوية باللائمة على النشاط الإنساني في ازدياد حرارة الأرض أو ما يسمونه بالاحتباس الحراري. فاستخدام مصادر الطاقة الأحفورية كالنفط والفحم الحجري التي تطلق عند احتراقها غاز ثاني أكسيد الكربون هو السبب وراء ظاهرة الاحتباس الحراري.
وتتعقد المشكلة حينما نعلم أن أكبر الدول من ناحية الكثافة البشرية وربما من ناحية المساحة هي في نفس الوقت من الدول الأكثر مساهمة في تلويث الجو بثاني أكسيد الكربون. ولعل على رأس القائمة الولايات المتحدة الأميركية والصين والهند وإلى حد ما روسيا.
وللتغيرات المناخية آثار مدمرة على كثير من البلدان والمناطق فضلاً عن ظواهر مستجدة كالأعاصير المدمرة والجفاف الحاد أو الأمطار الغزيرة وغيرها. خذ مثلاً ذوبان جليد القطبين معناه ارتفاع مستوى البحار والمحيطات مما «يهدد 2000 جزيرة من جزر الأرخبيل الاندونيسي المكون من 18 ألف جزيرة بالغرق بحلول العام 2030» حسب تصريح وزير البيئة لتلك الدولة ( البي بي سي 28/2 ).
إن أنهاراً عظيمة كنهر النيل والغانج ( الهند ) والميكونج ( فيتنام ) ونهر موراي دارلنج ( استراليا ) ونهر الدانوب ( وسط أوروبا ) هي ليست بمنأى عن التغيرات المناخية وبالتالي اختلاف نمط الأمطار وكمياته فضلاً عن بناء السدود بشكل عشوائي. وليس من الصعب تخيل عظم المأساة الإنسانية حينما تشح المياه في هذه الأنهار!
«وقد أصبح التغير المناخي وارتفاع درجة الحرارة على كوكبنا واقعاً لابد من التكيف معه، إذ لم يعد بمقدور الإنسانية إعادة المناخ كما كان، فحسبنا وقف تدهوره». هذا ما يذهب إليه أحد أبرز علماء المناخ الألمان واسمه هانس فون ستورش في مقابلة له مع صحيفة دير شبيغل (16/3). ويقول ستورش إنه لا معنى للإجراءات التي يتخذها الاتحاد الأوروبي لخفض ثاني أكسيد الكربون واعتماد الطاقة المتجددة إذا لم تلتزم الولايات المتحدة الأميركية والصين والهند بذلك.
وبالفعل فقد اتخذ الاتحاد الأوروبي مؤخراً قراراً بخفض انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون بنسبة 20% عن معدل العام 1990 بحلول العام 2020، وتعهدت دوله بزيادة استخدام الطاقة المتجددة (الرياح والشمس وحرارة الأرض وغيرها) بنسبة 20% أيضاً. ولم يكن هذا القرار دون معارضة وممانعة بالذات من دول أوروبا الشرقية التي ما زالت تعتمد اعتماداً كبيراً على الفحم الحجري كمصدر للطاقة. ومن المعلوم أن الكثير من الدول لم تعد تستخدم هذا النوع من الوقود مصدراً للطاقة لما يسببه من تلوث بيئي كبير.
ويدخل العامل السياسي والتنافس الاقتصادي كأسباب لعدم اتفاق الدول على اتخاذ إجراءات حازمة لوقف التدهور البيئي وارتفاع الحرارة، فالنمو الاقتصادي غير المسبوق للصين والهند، وهو نمو لا يلتزم بضوابط المحافظة على البيئة، تجعل الولايات المتحدة تترد باتخاذ تدابير حازمة للمحافظة على البيئة، بحجة أنها تعوق النمو الاقتصادي والقدرة على منافسة المنتجات الصينية التي تغزو العالم.
وبالفعل فقد أقر تقرير حكومي صادر عن الصين في بداية هذا العام بإخفاقها في إحراز أي تقدم فيما يتعلق بحماية البيئة (البي بي سي 28/1). وفي مؤتمر البيئة الذي عقد في بوتسدام بألمانيا في مارس الماضي، وضم دولاً رئيسية في العالم، اتهم وزير البيئة الألماني سيجمار جابرييل الولايات المتحدة الأميركية بأنها عطلت التقدم على صعيد التوصل إلى اتفاق حول نقطتين رئيسيتين: توزيع حصص انبعاث الكربون، ومكافأة الدول النامية على بذل الجهود لحماية مواردها الطبيعية( البي بي سي 17/3 ).
وربما يكون المثل القائل مصاعب قوم عند قوم فوائد تنطبق على حالة تردي البيئة وازدياد الحرارة، إذ يدعي العالم ستورش أن التغير المناخي سيخلق مناخاً ألطف في المناطق الشمالية الجليدية، مما سيؤدي إلي ظهور غابات ومناطق زراعية وينشط السياحة لتلك الأصقاع. وتذهب الكرستيان سينس مونيتور للإشارة إلى أنه يعتقد أن منطقة القطب الشمالي تحتوي على 25% من احتياطيات النفط والغاز العالمية المتبقية، وأن ذوبان الجليد - كما يعتقد البعض - سيسهل استخراج ونقل تلك الثروة.
بيد أن العلماء باتوا يتفقون على أن تلك الجوانب الايجابية لا تساوي شيئاً أمام الأضرار المدمرة التي تسببها ظاهرة الاحتباس الحراري وارتفاع درجات الحرارة. إن أمام الإنسانية مهمة صعبة، وهي إقناع أكبر دولتين ملوثتين للبيئة: الولايات المتحدة الأميركية والصين وهما وسط تنافس اقتصادي شديد تتحطم على صخرته كل القيود اللازمة للمحافظة على البيئة، وهي قيود لا شك بأنها تحد من النمو والمنافسة الاقتصادية بصورتها القائمة التي لا تريد أن تراعي أية ضوابط. وإذا لم تفلح الإنسانية بتلك المهمة فإنها يقيناً ستحفر قبرها بيدها.
كاتب كويتي
alyusefi@hotmail.com
