مطالبة الأغلبية اللبنانية برفع قضية المحكمة الدولية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري إلى الأمم المتحدة تعكس التمزق الذي وصلت إليه القوى السياسية في لبنان التي لم تستطع مجتمعة اجتياز تحدي مهمة حقوقية عادلة.

وفي واقع الأمر أن التحقيق الدولي الذي شكلت الأمم المتحدة لجنة خاصة له ومن ثم قرارها بإنشاء المحكمة هو في حد ذاته تدويل مقصود للحوادث الإرهابية التي شهدها لبنان ومن أبرزها اغتيال الحريري.

وقد لجأت الحكومة اللبنانية ومعها المجتمع الدولي إلى هذه الصيغة بعد الضعف الذي أبدته الأجهزة اللبنانية والقضاء اللبناني للوصول إلى الجناة الحقيقيين في الحوادث الإرهابية التي يشهدها لبنان بالذات منذ السبعينيات وطوال الثمانينيات والتسعينيات وتفاقمت منذ 2004 وحتى الآن.

ومن الواضح أن اللبنانيين لن يرتاحوا حتى يعرفوا الجهات التي دبرت ونفذت الاغتيالات الأخيرة وهو حق مشروع وعادل.

ولكن عدداً من القوى المعارضة ترى أن التحقيق أو حتى المحاكمة يمكن أن يُسيسا وأن يكونا سيوفاً مسلطة لما يسمى المجتمع الدولي على قوى سياسية إقليمية عرفت بعلاقاتها المعقدة مع الغرب الذي يدعي أنه المجتمع الدولي.

وهذه أيضا مخاوف محقة؛ فسوريا وحلفاؤها الذين وقفوا في وجه الغرب يخشون من استثمار سياسي لهذه المحاكمة من قبل أميركا وحلفائها.

وهذا الخلاف بين الأطراف اللبنانية فجر الأزمة السياسية التي يعيشها لبنان الآن حيث وقف حزب الله وحركة أمل في وجه نظام المحكمة الحالي الذي وضعته الأمم المتحدة والحكومة اللبنانية مجتمعتين.

فيما رأت الغالبية أن هذين الحزبين يحاولان درء العقاب عن حلفائهما الإقليميين المتهمين بالاغتيالات. وهو ما أدى إلى توجيه التهمة لهما بحماية القتلة الشيء الذي دعا حزب الله إلى اتهام الغالبية النيابية بالتواطؤ مع العدوان الإسرائيلي في يوليو الماضي في محاولة للرد على هذه التهمة.

ولم يستطع اللبنانيون الخروج من هذه المعضلة إلى الدرجة التي كادت معها حرب طائفية أن تشتعل في بيروت بين فئة تقول إنها تريد العدالة وفئة ترى أنها عدالة مسيسة للانتقام من قوى الممانعة والصمود.

وفشلت العبقرية السياسية اللبنانية في إيجاد المخارج التي تمثل مقاربة مشتركة ترضي الطرفين. وبالتالي سقط الجميع في فخ الاستقطاب الحاد الذي تعثرت معه محاولات تكريس الثقة وتشكيل حكومة وحدة وطنية.

ولقد كان قطب الرحى في هذا الصراع التيار الوطني الحر الذي فشل تيار 14 مارس في استقطابه للتشكيل الحكومي الذي أعقب الانتخابات البرلمانية في عام 2005، فاستغل الموقف تيار المعارضة وضمه إلى صفوفه بعد تفاهم 2006 م الذي وقع بين التيار وحزب الله.

لكن الموالاة ومعها الحكومة مازالا يصران على أنهما يدافعان عن قضية عادلة. ولكن حتى القضايا العادلة إن لم يكن لها غطاء سياسي تفشل في تحقيق أهدافها. مما يستوجب على تيار الحكومة ومواليها أن تغير تكتيكاتها بعيداً عن الاعتماد على المجتمع الدولي.

كما أن على المعارضة أن تبدي تنازلات تترجم حسن النوايا التي تقولها عن المحكمة الدولية وأن تقدم رؤية ترضي شركاء الوطن خاصة أن الموالاة قدمت منذ البداية تنازلات معقولة لتعديل نظام المحكمة وتأجيل انتخاب رئيس جديد والاستعداد لتشكيل حكومة وحدة وطنية.