بالتأكيد لم تفاجأ السيدة نانسي بيلوسي بما لمسته وسمعته في دمشق من رغبة قوية بالحوار البنّاء والعمل الجاد من أجل السلام على الرغم من الضّخ المضاد الذي أحيطت به قبل زيارتها إلى سورية، واستهدف تعكير أجواء الزيارة، عبر تقديم صورة مقلوبة مرسومة بشكل مسبق عن سورية، فرئيسة مجلس النواب الأميركي وزعيمة الأغلبية النيابية جاءت إلى دمشق مستندة إلى قناعاتها الخاصة أولاً، وإلى رغبة الشارع الأميركي ثانياً لكونها ممثلة لهذا الشارع أو لأغلبيته على أقل تقدير، وهي بالتأكيد كونت فكرة خاصة عن سورية مغايرة لتلك التي قدمت إليها من الطرف الآخر.

وعليه كان من الطبيعي أن تقول سورية للضيفة الأميركية الكبيرة: إن الحوار هو اللغة المشتركة المفهومة بين الشعوب، وإن السلام هو أقصر الطرق لحل المشكلات، فالحوار المباشر الذي يتاح من خلاله سماع الرأي والرأي الآخر من شأنه أن يزيل الكثير من سوء الفهم، ويضع النقاط على الحروف، ويؤسس لحل القضايا الرئيسية. ‏

وبالنسبة إلى سورية فإن الحوار مع الجانب الأميركي هو وسيلة وليس غاية، وسيلة لمعالجة المسائل العالقة بين البلدين، ولتمهيد الطريق أمام السلام العادل والأمن والاستقرار في المنطقة. ‏

وتعرف السيدة بيلوسي وسائر المسؤولين الأميركيين في الإدارة والكونغرس والمؤسسات أن المسائل العالقة بين سورية والإدارة الأميركية محصورة بشكل أساسي في القضيتين العراقية والفلسطينية وغيرهما. ‏

في الشأن العراقي أكدت سورية لضيوفها الأميركيين موقفها الداعي إلى سيادة واستقرار العراق، من خلال مصالحة وطنية شاملة، وبرنامج محدد لانسحاب القوات الأميركية منه. ‏

وإعادة الاستقرار إلى العراق هو بالنسبة إلى سورية قضية حيوية تستحق أن تبذل من أجلها كل الجهود الممكنة، خاصة أن اللااستقرار العراقي ينعكس مباشرة على سورية التي تستضيف حالياً قرابة مليون لاجئ عراقي، وتعاني الكثير من أجل توفير متطلبات الحياة الكريمة لهم، فكيف، والحال هذه، لعاقل أن يصدق أن سورية لا تريد التعاون من أجل إعادة الاستقرار إلى العراق؟ ‏

وفي الشأن الفلسطيني والعربي ـ الإسرائيلي بوجه عام لا تريد سورية أكثر مما يريده المجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة وقراراتها الخاصة بالصراع في المنطقة، بمعنى أن سورية تريد استعادة أرضها وبقية الأراضي العربية المحتلة، بغية الوصول إلى السلام والأمن والاستقرار في المنطقة. ‏

وهذا ما يعرفه جيداً الإسرائيليون والأميركيون والعالم بأجمعه، وعندما يقول الإسرائيليون عكس ذلك فلأنهم لا يريدون السلام والاستقرار. ‏

وقد لمست السيدة بيلوسي مباشرة هذه المواقف السورية، والأمل معقود على استمرارية الحوار، وعلى تفهم أميركي واسع لسياسة سورية، وعلى توجه مشترك نحو السلام في المنطقة، بعيداً عن الانحياز والمغالطات والتهديدات. ‏