عندما كان العرب يطالبون باسترجاع أرض فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم ومغادرة اليهود الذين جاءوا من أنحاء العالم للاستيطان وبناء الدولة العبرية قامت الدنيا ولم تقعد في العالم وخاصة عند صناع السياسة الغربيين الذين اعتبروا هذه المطالب مجحفة وغير عادلة ولا تستند إلى الشرعية الدولية التي صنعت بأيديهم بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.
هذا بالرغم من أن المطالب العربية استندت إلى الشرعية الدولية المعروفة باتفاقيات جنيف وقرارات الأمم المتحدة ومبدأ حق تقرير المصير وغيرها من المبادئ والمواثيق الدولية. وكان على العرب آنذاك أن يدفعوا فاتورة الاضطهاد والظلم والقتل الذي تعرض له اليهود في القارة الأوروبية والقانون الأميركي الذي منع هجرة اليهود الألمان إلى الولايات المتحدة أثناء حكم الرئيس روزفلت.
ومع مرور الوقت وبسبب الأزمات المتتالية التي حلت بالعالم العربي في القرن الماضي والتدهور الكبير الذي شهدته الشعوب العربية سياسياً واقتصادياً وتنموياً واجتماعياً وعلمياً وفكرياً استطاعت الدول الغربية والشرقية أيضاً أن تطور مواقف الدول العربية وشعوبها بخصوص القضية الفلسطينية نحو مزيد من التنازلات والتراجعات لصالح المسألة اليهودية في العالم إلى أن وصل العرب جميعاً إلى القبول بحل الدولتين على أرض فلسطين طبقاً للقرار الأممي 242 وخطة خارطة الطريق ومرجعية مدريد الأرض مقابل السلام ومبادرة السلام العربية لعام 2000.
مما يعني أن العرب جميعاً ومعهم العالم الإسلامي وافق على إعطاء إسرائيل 78% من مساحة فلسطين التاريخية مقابل 23% للشعب الفلسطيني وتقسيم القدس إلى شرقية وغربية وإيجاد حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين طبقاً للقرار الأممي 194. أي أن القرارات الأممية الأخرى وهي كثيرة ومهمة أهمها القرار 181 الذي منح الشعب العربي الفلسطيني ما يقارب نصف مساحة فلسطين التاريخية تم التنازل عنها من أجل الوصول إلى تسوية لما أصبح يعرف بالصراع العربي - الإسرائيلي.
وقبل أيام قليلة فقط كرر العرب موقفهم السلمي في القمة العربية التاسعة عشر والتي انعقدت في العاصمة السعودية الرياض عندما أعلن القادة العرب وبحضور أممي ممثلاً بأمين عام الأمم المتحدة بان كي مون وإسلامي ممثلاً بأمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي أكمل الدين إحسان أغلو وأوروبي ممثلاً بممثل السياسات الخارجية والأمن للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا.
في هذه القمة الهامة والمفصلية تمسكت الدول العربية بالسلام كخيار استراتيجي وبرغبتها الاعتراف بإسرائيل ككيان شرعي مقابل قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف وحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.
بالرغم من ذلك جاء الرد الإسرائيلي برفض المبادرة العربية وهو نفس الموقف الرافض الذي أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك آرييل شارون مباشرة بعد الإعلان عن المبادرة في بيروت.
الفرق هذه المرة أن الإسرائيليين وخاصة ما جاء على لسان وزيرة الخارجية تسيبي ليفني ورئيس الوزراء إيهود أولمرت أعلنا أن إسرائيل مستعدة للتجاوب مع المبادرة العربية وخاصة فيما يتعلق ببند التطبيع بين العرب وإسرائيل مع الإصرار على رفض حق عودة اللاجئين والتفاوض بشأن القدس الشرقية وحتى بالعودة إلى حدود 4 يونيو 1967.
وهذا الموقف الإسرائيلي المعلن والصريح هو ذات الموقف الأميركي الذي أعلن عنه العديد من الساسة الأميركيين مثل الرئيس الأميركي جورج بوش والوزيرة كوندوليزا رايس. ولا يخفى على أحد أن الوزيرة رايس حاولت مراراً وتكراراً قبل انعقاد القمة العربية في الرياض أن تقنع بعض القادة العرب بضرورة تعديل المبادرة العربية للسلام كمطلب إسرائيلي للتعاطي معها من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل.
والنفي العربي لهذا الأمر لم يكن مهماً أو ضرورياً طالما أن الموقف الرسمي العربي تجاه إسرائيل بقي صلباً ورفض مسألة التعديل لإدراك العرب وخاصة الدول التي تعتبرها واشنطن بـ «الدول المعتدلة» أن إسرائيل ليست جادة تجاه عملية السلام لاسيما في ظل حكومة ضعيفة تحظى فقط بتأييد 2% من الإسرائيليين من جهة، ولإدراكها أيضاً أن واشنطن ليست عازمة وغير قادرة حالياً على ممارسة الضغط اللازم لإجبار إسرائيل على تقديم التنازلات.
فالإدارة الأميركية الحالية تواجه الكثير من الصعوبات بسبب سياساتها في العالم وخاصة في منطقة الشرق الأوسط متمثلة في فشلها الكبير في العراق وفي الحرب على الإرهاب إضافة إلى الملف النووي الإيراني المعقد جداً بكل سيناريوهاته السلمية والعسكرية.
علاوة على ذلك فهذه الإدارة تواجه أيضاً تحديات صعبة في الداخل الأميركي بعد التصعيد الأخير للديمقراطيين في الكونغرس الأميركي ونجاحهم في تمرير قرار ينص على منع تمويل الحرب في العراق إذا لم تعلن إدارة الرئيس بوش عن جدول زمني للانسحاب من العراق في مارس عام 2008. كما أن عدد الجمهوريين المعارضين للحرب من حزب الرئيس بوش الذين أدركوا تبعات الفشل السياسي والعسكري بسبب الحرب في العراق على الحزب الجمهوري تضاعف عددهم.
إضافة إلى ذلك، تتبنى دول الاتحاد الأوروبي المؤثرة موقفاً سلبياً تجاه حكومة الوحدة الوطنية في فلسطين والمبادرة العربية بشكل عام. فهي غالباً ما تتبنى الموقف السياسي العام للولايات المتحدة تجاه العملية السلمية وتدعم الموقف الإسرائيلي ولا تتميز عن هذه المواقف إلا في بعض التفاصيل الصغيرة.
وقد شاهدنا كيف أن الدول الأوروبية لا تزال تفرض حصاراً مالياً على الشعب الفلسطيني وتقاطع أعضاء في الحكومة الفلسطينية لانتمائهم لحركة حماس بالرغم من أن هذه الحكومة شكلت بناء على برنامج وطني موحد يلبي بشكل مباشر أو غير مباشر شروط الرباعية الدولية. وهنا نسأل الساسة في دول الاتحاد الأوروبي: متى تقدرون على تمييز سياساتكم تجاه الشرق الأوسط عن سياسات واشنطن وتل أبيب؟
الحقيقة أصبحت واضحة كثيراً وهي أن الساسة الغربيين ليس فقط في الولايات المتحدة ولكن في عواصم دول الاتحاد الأوروبي المؤثرة تؤيد مزيداً من التنازلات العربية لإسرائيل على حساب المصالح الفلسطينية والعربية وأصبحت تجيد النفاق السياسي أكثر من الساسة في العالم الثالث على حساب المبادئ والقيم الإنسانية.
إن القرارات الدولية بشأن الصراع العربي - الإسرائيلي واضحة والطرف الذي يعيق تطبيقها معروف ودور المجتمع الدولي وخاصة الدول الغربية يكمن في أن تبتعد عن النفاق السياسي والوعود الواهية وسياسة الكيل بمكيالين وأن تدرك أن الحل يكمن في فرض الإرادة الدولية على كل الأطراف وليس فقط على طرف واحد.
لقد كرر القادة العرب قبولهم بالسلام العادل في قمتهم الأخيرة وقدموا الآليات المناسبة لذلك وأعلنوا أنهم مستعدون لتطبيق القرارات الأممية ذات الصلة. فهل إسرائيل مستعدة لتطبيق القرارات الأممية وهل الساسة الغربيون مستعدون ولو لمرة واحدة منذ ستة عقود أن يتخلوا عن نفاقهم السياسي لصالح الشرعية الدولية؟ نرجو ذلك.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com