الأزمة اللبنانية عادت إلى دوامتها المغلقة، بل ربما تكون قد دخلت طوراً جديداً من التأزيم والانسداد، ما بدا لأسابيع خلت، بأنها في طريقها إلى الحلحلة؛ تبين أنه كان اعتقاداً في غير محله، في الأيام الأخيرة، ظهرت وكأنها كانت في إجازة وانتهت.

وبذلك رجعت إلى المربع الأول، إلى الجدل والتراشق بلغة التحذير من ارتكاب التجاوزات «الدستورية» و«الشرعية» و«المؤسساتية»، دوران من جديد في حلقة سبق ودخلتها الأزمة، من دون أن تؤدي بها إلى مخرج، أو حتى إلى تحقيق كسر بسيط في جليدها. وكان من الواضح باستمرار، أن مفاتيح الخروج من حالة الانسداد ليست في جيب الدستور ولا الأصول ولا المؤسسات.

الأزمة ليست من هذا الفصيل أو ذاك، وإلا كان السجال قد وصل بها إلى حل ما. من الأساس هي سياسية محلية ـ إقليمية، أدوات الصراع فيها دستورية ومؤسساتية. دارت حول محورين: المحكمة ذات الطابع الدولي والتركيبة الحكومية، بعد جولات من «التشاور»، تبعها تصعيد وتعنيف في الخطاب وفي الشارع، واكبتهما وساطة عربية غير ناجزة؛ رسا الوضع على هدوء بانتظار القمة العربية، كانت فترة جمود وشراء وقت، نجحت القمة في تعطيل الفتيل اللبناني.

كما نجحت، مع التحركات التي سبقتها، في تعطيل لغم الفتنة الذي كان قد بدأ يطل برأسه. كما تردد أن قمة الرياض قد حققت تفاهمات، سوف يشهد الملف اللبناني آثارها الإيجابية؛ بعد انفضاضها. في ضوء هذه التراكمات وأجواء التهدئة سادت حالة من الأجواء الواعدة.

فجأة أخذت الأمور انعطافة جديدة، معاكسة لمثل هذه الأجواء. الموالاة تقول إنها «استنفدت كل وسائل السعي إلى إقرار المحكمة في إطار المؤسسات الدستورية اللبنانية». واستطراداً رفعت الغالبية النيابية مذكرة إلى الأمم المتحدة تطلب فيها دعوة مجلس الأمن لإنشاء المحكمة.

تحت الفصل السابع؛ من دون بند استخدام القوة. المعارضة سارعت إلى التحذير من هذا التوجه ومخاطره على اعتبار أنه قد «يفجر أزمة لا تحمد عقباها»، وانه قد يجر البلاد إلى «الفوضى». وأتى التحذير هذا انطلاقاً من وضع العريضة في خانة العمل المجافي للدستور والأصول. وبذلك «رجعت حليمة إلى عادتها القديمة». كل طرف يدعي أن القانون والدستور بجانبه.وبصرف النظر عن جدارة هذه المواقف من الناحيتين الدستورية والقانونية يبقى السؤال: ما ـ وليس من ـ الذي يؤدي إلى الوقوف بجانب لبنان وشعبه؟

تجربة السنتين ونيف كشفت عن حقائق عدة ، لا بد من الاسترشاد بها لانتشال لبنان من أزمته. أهمها: أن هذه الأخيرة خميرتها محلية؛ واستطراداً فإن عجنتها المؤهلة لتطعم خبزها، لا بد وأن تكون لبنانية. مدخل هذه المهمة يكمن في الحوار. لكن حنفية الحوار لها روافد برانية. القدرات المحلية غير كافية للتحكم فيها. الأمر الذي يتطلب قدرة على تحقيق ذلك. السوابق وواقع الحال يقولان إنه من دون هجمة تسووية عربية، يتعذر على الفرن اللبناني طبخ خبزه المطلوب.