اتفقنا في مقالات سابقة على أن الفرد هو أساس المجتمع، فإذا كمل الأفراد كمل المجتمع المكون منهم، فالإنسان الفرد نفسه هو وحدة البناء في أي جزء من أجزاء الدولة، سواء على مستوى الوظائف الصغيرة أو على مستوى الوظائف الكبيرة. تخيل معي لو قام كل طرف من هؤلاء بدوره وتحققت كل هذه المهام.. ماذا سوف يكون عليه حال مجتمعنا؟ وقد سبق لنا الحديث عن دور ومهام المواطن، ورجل الأعمال، والمثقف، والوزير، والإعلامي، والرياضي، في المدينة الفاضلة، واليوم نقف عند دور ومهام الموظف الذي لا يقل في الأهمية عن دور الذين تحدثنا عنهم، بل قد يزيد، لأن الموظف هو اللبنة التي تعتبر أهم وحدة في البناء.
وأهم جانب في موظف المدينة الفاضلة هو الأخلاق، لكن مع هذا ليست الأخلاق وحدها هي التي تجعل من شخص ما موظفاً يستحق أن يحيا في المدينة الفاضلة، فهناك شروط أخرى ضرورية بالمثل لابد من تضافرها معاً، من قبيل: الكفاءة، والمهارات، وروح الابتكار... الخ؟
وإذا نظرنا إلى سمات الموظف كما ينبغي أن يكون في المدينة الفاضلة، لن نجد أفضل من «قانون إدارة الموارد البشرية لحكومة دبي رقم (27) لسنة 2006»، خاصة الفصل الثاني الذي يتناول مبادئ السلوك الوظيفي، «وبرنامج دبي للأداء الحكومي المتميز»، ودليل سياسات شؤون الموظفين».
ومن الضروري منذ البداية أن نعرف أن الموظف ليس عليه واجبات فقط في المدينة الفاضلة، بل له حقوق أيضاً تساعده على أن يكون أخلاقياً، ولذلك نجد قانون إدارة الموارد البشرية لحكومة دبي رقم (27) لسنة 2006، قبل أن يتحدث عن واجبات الموظفين، تحدث عن حقوقهم، وهي بعينها واجبات الدوائر الحكومية.
حيث تم التأكيد على واجبها في تعزيز بيئة عمل صحيحة وآمنة، من خلال تقديرها الاختلافات الفردية والتنوع الثقافي بين موظفيها، وتوفير فرص متكافئة للتطوير في ضوء مردود الأداء، وإشراك الموظفين في تقديم الاقتراحات المتعلقة بتطوير الأهداف وتحسين الخدمات، وأن تكون الدوائر الحكومية عادلة وتلبي الاحتياجات الأساسية للموظفين، وأن تكون خالية من المضايقات والتمييز غير المبرر، وأن تكون محفزة للموظف على تقديم وتطبيق الأفكار الإبداعية والمبتكرة.
إن الإدارة في كثير من المدن غير الفاضلة عادة ما تعنى بالتأكيد على التزامات الموظفين بشكل متكرر أكثر من ذكرها لحقوق هؤلاء الموظفين.اهتمامات الموظفين الأخلاقية، في المدن غير الفاضلة، حظيت بنصيب ضئيل من اهتمام الشركات والمؤسسات العملاقة. إن الدائرة الحكومية أو الشركة التي تتعامل مع جزئية الأخلاق بشكل جاد سوف تقوم بوضع واتباع منهج أخلاقي، مع العناية الواجبة بالاهتمامات الأخلاقية للعاملين لديها. إن عليها أن تتأكد من أن هيكلها «التنظيمي» سوف يسهل ويضمن التعبير عن اهتمامات الموظفين بها فيما يتعلق بحقوقهم المدنية والأخلاقية.
وإذا انتقلنا إلى سمات الموظف في المدينة الفاضلة نلاحظ بداية أنه هو الذي يجمع في شخصه وأدائه بين الالتزام الوظيفي والسلوكي، والأداء الكفء، والمبادرات الإبداعية، وبالتعاون وعلاقات العمل الإيجابية، ودرجة المشاركة، وتحمل المسؤولية والتنمية الذاتية، والمهارات الإشرافية، والمهارات القيادية، ودرجة التعلم.
وقد حددت الدائرة الاقتصادية في «دليل سياسات شؤون الموظفين» مفهوم الموظف المثالي فقالت: «الموظف المثالي هو ذلك الموظف الذي تختاره اللجنة المختصة بالدائرة كأكثر الموظفين المرشحين من الإدارات كفاءة وعطاءً والتزاماً وتعاوناً وولاءً وتميزاً ومبادرة وإنجازاً عن فترة محددة سنوية (موظف العام المثالي) أو ربع سنوية (موظف الفترة المثالي)».
ويحدد برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز مجموعة من المعايير لتقييم فئات التفوق الوظيفي والتي يتحدد تبعاً لها من هو الموظف المثالي هي: الإنجازات والنتائج، الأداء الكفء، المبادرات الإبداعية، التعاون وعلاقات العمل، الالتزام الوظيفي والسلوكي، درجة المشاركة، تحمل المسؤولية والتنمية الذاتية، المهارات الإشرافية، المهارات القيادية، وأخيراً درجة التعلم.
إن الموظفين يتعين عليهم الالتزام بالقانون الأخلاقي، وهم ملتزمون، قانوناً، بإطاعة القانون المدني في عملهم وفي باقي الأوقات الأخرى، ومن ثم يجب عليهم عدم السرقة من مؤسساتهم حتى ولو كانت أشياء صغيرة: أخذ الطوابع، أقلام الرصاص، الورق وغيرها من المواد، وإذا ما شعروا بنقص في أجورهم عليهم إبلاغ الإدارة بذلك والمعارضة لتحسين الأجور أو البحث عن عمل آخر. وفي كل الأحوال ليس لهم أي حق في ضبط أجورهم من خلال حصولهم على أشياء من مؤسساتهم!
والموظفون ليسوا مطالبين ـ أخلاقياً ـ بحسن التعامل مع زملائهم سواء أكانوا أعلى أم أدنى منهم فحسب، بل هم مطالبون كذلك بالوفاء بمتطلبات عقودهم. فإذا كان استخدامهم يتطلب العمل ثماني ساعات يومياً فعليهم الالتزام بهذا الوقت، وعليهم العمل بضمير في وظائفهم والالتزام بالاشتراطات المنصوص عليها بعقودهم.. يعد هذا التزاماً متعلقاً بضرورة إقامة العدل.
إن التزامات الموظفين يتم ـ أحياناً ـ النص عليها بالعقود وتوصيف الوظائف وغالباً ما تتسم الأخيرة بالغموض، ويكون من غير الواضح تماماً ما هو المطلوب من شخص ما أداؤه لوظيفة معينة. إن من يشغل مثل هذه الوظيفة لا يتعين عليه أداء تلك الواجبات وفقاً للمعايير القصوى لها، إلا إذا كان يرغب في الحصول على ترقية أو على لقب الموظف المثالي، فهنا عليه أن يختار أن يعمل أكثر مما هو متوقع أو مطلوب منه.
إن الموظفين العاديين مطلوب منهم فقط أن يؤدوا أعمالهم بشكل كاف، وليس عليهم ثمة التزام بتحطيم الأرقام القياسية أو تجاوز ساعات العمل المقررة (أي العمل الإضافي)، أو أداء أعمال تزيد عما مطلوب من وظيفتهم، ومع ذلك، فإن عليهم إذا أرادوا أن يصبحوا مثاليين وليس مجرد موظفين عاديين، أن يقوموا بما يتجاوز المتوقع منهم، فليس هذا مطلوباً منهم إلا في حالة التطلع للقب موظف المدينة الفاضلة.
كما أن الموظفين ـ بالإضافة لما تقدم ـ عليهم التزام تجاه مصالح الشركة أو الدائرة الحكومية التي يعملون بها، فعلى سبيل المثال، يجب عليهم عدم العمل (لدى آخرين) جزءاً من الوقت أو تقديم استشارات لمنافسين. كما يجب عليهم عدم التقليل من شأن شركتهم (من خلال عرض سلعها أو خدماتها بسعر أقل) أو مساعدة شركة منافسة على القيام بذلك من خلال إعلانات مخادعة للجمهور. كما ان الإعلانات العادية للجمهور والتي تحمل آراءهم الشخصية السلبية في شركاتهم تعد أيضاً غير مقبولة.
المديرون ـ غالباً ـ ما يكونون من الموظفين بالشركة أو الدائرة الحكومية التي يعملون بها، ويكون التزامهم هو إدارة العمل بكفاءة وعدم تهاون، ويشمل ذلك احترامهم لحقوق الموظفين لديهم وخلق الجو الملائم الذي يسمح بقيام الجميع بالعمل معاً لما فيه صالح الشركة أو الدائرة الحكومية. ونظراً لأهمية دور الموظف في المدينة الفاضلة، ونظراً لأن الفساد المستشري في معظم المدن غير الفاضلة يأخذ أكبر مساحة له بين الموظفين، فإن لهذا الحديث بقية... والله من وراء القصد .
جامعة الإمارات
Razak-doc@hotmail.com