توقع المثقفون في البحرين ومنظمات المجتمع المدني وكل التيارات الليبرالية والديمقراطية واليسارية المعنية بحرية التعبير والتفكير لفضاء الثقافة والصحافة والحريات أن تتعرض للهجوم الشرس من القوى الدينية وتحالفاتها حالما تصل إلى مجلس النواب بالرغم من حربها الخفية والمعلنة الطائفية والسياسية «أثناء الحملة الانتخابية» .
ولكنها ما أن وصلت إلى ذلك المجلس وجدت نفسها تركب وتجدف في قارب واحد وتتمترس في خندق مشترك في مواجهه التيارات والآراء المختلفة معها خاصة فيما يتعلق بأمور ثقافية وحقوق مدنية تتعلق بالحريات الفردية» مما يعرض المملكة والمشروع الإصلاحي لاحتمال التأزم .
ومن ثم الانتقال إلى الصدامات مع المجتمع فتجد الدولة نفسها في وضع حرج يدفعها للخيارات التالية «إما الرضوخ لسلطة التيارات الدينية والقبول بأجندتها والتي تتعارض مع المشروع ومواد الدستور والميثاق» أو معارضتها والوقوف والاصطفاف مع تيارات المجتمع المدني وهذا ما يضع الطرفين المتصارعين الديني والمدني في حالة تأزيم إن لم يوافق الطرف الديني في التنازل عن أجندته في محاكمة ربيع الثقافة وتحديدا عمل الفنان مرسيل خليفة والشاعر قاسم حداد.
وبما أن قاسم هو صاحب النص المطلوب محاسبته «والذي تم الحديث عنه بأن قاسم بذلك النص «يبيح الزنا» مما يدفع بالتيار الديني بالانتقال بعد الانتهاء من التحقيق لاستجواب وزير الإعلام بعد الانتهاء من التقرير ومراجعة الأفلام والأشرطة «وتدخل لجنة التحقيق مرحلة أكثر انعطافا وتأزيما بقرار يدعو نواب المجلس بغالبيتهم المطلقة أن يضعوا عنق وزير الإعلام تحت مقصلة سحب الثقة أو دفعه للتنازل عن مطالبهم الخفية من خلال صفقات بدأت رائحتها تفوح في شوارع البحرين.
ومن ضمنها إغلاق الصالات والملاهي في فنادق اقل من خمسة نجوم وهذا الإجراء يعرض البلاد إلى انتكاسة جديدة على صعيد الاستثمار والمستثمرين كجرس إنذار بأن قرارات الدولة صارت تحددها تلك القوى الظلامية أو تجد الدولة نفسها كحكومة الكويت تميل إلى الاستقالة وتعليق الحياة النيابية في إطار ذلك التأثيم الفعلي أو المصطنع، فهي قد لا ترغب في مواجهة التيارات الدينية بقوة .
كما أنها لا يمكنها التخلي عن تيارات مدنية وحداثية تنسجم مع مشروعها الإصلاحي وتصب في طاحونة التحولات التي تسعى لها الدولة، كما أنها بحاجة بهذا القدر أو ذاك إلى تلك القوى في مواجهة نفوذ التيارات الدينية بهدف تقليص سطوة رجال الدين في البلاد بطريقة دبلوماسية، وبحيث تمسك الدولة في هذه المرحلة العصا من الوسط، لكونها تعتبر نفسها أنها قاض للجميع وفوق الصراعات المجتمعية كسلطة تنفيذية.
وتتدخل في تلك الصراعات فقط في حالة وصول البلاد لأزمة مستعصية. كما تدور في البلاد مواجهات فكرية وثقافية وسياسية بين ذلك التيارين عكس نفسه في الهجمة من فوق منابر المساجد والمجالس ضد الصحافة والأقلام المدافعة عن الحريات تحت حجج واهية وذرائع كاذبة بأن الصحافة تهاجم الدين، مما دفع بوزارة العدل والأوقاف مناشدة أولئك الخطباء بعدم تحويل تلك المنابر إلى أماكن للدعاية والتحريض والخروج عن دورها الديني.
حيث تحاول تلك الأصوات الدينية الدفاع عن داعية إسلامي تجاوز حدوده بسلوك شائن في عدة مواقف من أهمها طلبه من الطالبات غير المحجبات في مدرسة إعدادية، أن يجلسن في الصفوف الخلفية كما انه قال للطالبات بان لا يقمن علاقات صداقة مع طالبات مسيحيات زميلات لهن في المدرسة مما يعني دخول الطالبات في دائرة الكراهية ونشر أفكار تتعارض مع دستور وميثاق البحرين. تلك الأجواء المغبرة والمتوترة هذه الأيام تعبر من جهة عن طبيعة الديمقراطية وجوهرها .
ومن جانب آخر تعكس الجهل بحدود تلك الديمقراطية التي ينبغي أن تؤمن من الجانب الآخر بحق الآخرين في الاختلاف وبممارسة حقوقهم. ويتابع المراقبون تطورات أزمة ربيع الثقافة التي تأخذ منحى خطيرا يعرض البلاد إلى وضع يسيئ إلى سمعتها الخارجية، فنتيجة لهيمنة التيار الديني في المجلس تم اختطاف كل شيء بالتدريج ضمن أجندة ترغب في الاستيلاء على كل المنجزات والحقوق التي أتاحها مشروع الإصلاح للناس والمؤسسات خلال السنوات الست.
لهذا تحركت منظمات المجتمع المدني وفي مقدمتها المثقفون الذين وجدوا أنفسهم يتخلون عن جمودهم وسلبياتهم السابقة بالوقوف معا في خندق واحد ونقل معركتهم للجبهات العالمية ضمن خطة تبدأ بطلب الالتقاء بالملك ورئيس الوزراء، وبتوقيع عريضتين الأولى للأمم المتحدة موجهة إلى اليونسكو والعريضة الثانية وثيقة الكترونية ستطرح للتوقيع لكل المثقفين والأدباء والفنانين في كافة أنحاء العالم.
ومن خلال تلك العريضتين ستعمل المنظمات والمثقفون في البحرين بتصعيد المعركة إلى المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان للممارسات الفظة من قبل مجلس النواب الذي يحاول مصادرة الحريات وحق التعبير والتفكير في البلاد. وستجتمع أكثر من خمسين منظمة للوصول إلى توافق على آلية مهرجان خطابي وتدشين كتاب توثيقي يوثق وقائع كل ما تم نشره من سجالات في الصحافة والفضائيات والإذاعات المسموعة حول عرض «مجنون ليلى».
وهناك فكرة لا يزال النقاش حولها ضمن أجندة تلك المؤسسات الثقافية والسياسية والمدنية والحقوقية، حيث تناقش كيفية تحويل فكرة الاعتصام من فضاء النخب إلى الاعتصام الجماهيري. ويتم في البحرين التداول حول برامج مواصلة الاحتجاجات، التي يتم الإعداد لها في مظاهر مختلفة ومتدرجة، بحيث يتفق الجميع حول الأولويات وبضرورة وضع تصورات تواكب مجمل تطورات القضية ووفق جدول زمني.
وتستعد فاعليات المجتمع المدني بترتيب زيارة للقيادات السياسية وممثلي الشعب على مستوى رئاستي مجلس النواب والشورى والمؤسسات الاقتصادية والتجارية. وترى الحركات المدافعة عن الحريات أن تلك الاعتداءات على الحريات قد بدأت قبل تلك الهجمة على ربيع الثقافة، غير أن ربيع الثقافة كانت ذروة الفضيحة التي ليست إلا تشويه لصورة البحرين الحضارية والمعروفة بانفتاحها وتسامحها.
ما حدث منذ الأول من مارس وهو تاريخ عرض عمل «مجنون ليلى» عرفت البحرين بكل وضوح عملية الفرز والاصطفاف بين التيار الديني (المتطرف) في مواجهة تيار العقلانية والتنوير الذي يقوده الليبراليون والديمقراطيون، مما جعل هواء البحرين تارة باردا في ذلك الشهر وتارة أخرى أكثر سخونة مما توقع خبراء الأرصاد، فقد هبت عواصف قوية أطاحت بالأشجار والأسقف، غير أن جذور الثقافة وأشجارها قررت أن تصمد أمام رياح الظلام والعسف مهما كان الثمن.
كاتب بحريني
