في زيارتها الأخيرة للمنطقة، انسكب الترياق المغشوش الذي حملته وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، وبان الخيط الأبيض من الأسود للمرة الألف، فعادت رايس أدراجها من الشرق الأوسط إلى دول أوروبا لمتابعة حملتها على التطورات الايجابية الفلسطينية الداخلية بعد اتفاق مكة الأخير والمساعي الجارية لتشكيل أول حكومة ائتلافية وحدوية فلسطينية بعد عشر وزارات تم تشكيلها منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994.
ومن غير تهليل، ومن غير تبشير، فقد انتهت القمة الثلاثية التي جمعت كلا من رئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود أولمرت والرئيس محمود عباس ووزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ببيان مقتضب لخص إلى حد بعيد ما جرى في اللقاء الاجتماع المشار إليه.
فقد أعادت الوزيرة الأميركية تقديم الموقف الأميركي من المساعي الفلسطينية الجارية لتشكيل حكومة الائتلاف الوطني بمفردات ملتبسة طغى عليه المنوال الأميركي ذاته من الاشتراطات التي سبق وأن تم وضعها على طاولة التفاوض بين الإسرائيليين والفلسطينيين، خصوصاً عندما كانت تترافق مع المحاولات الفلسطينية الداخلية التي تم بذلها لرأب الصدع بين مختلف الأطراف الفلسطينية الفاعلة وبالذات بين حركتي فتح وحماس.
اللقاء الثلاثي فضح فجاجة الموقف الأميركي السلبي من المساعي الفلسطينية الجارية لتشكيل الحكومة الائتلافية الفلسطينية، وهو الموقف الذي زاد من لغة الصلف والغرور التي تزين بها الموقف الإسرائيلي، فأطلق ايهود أولمرت عقيرته في تكرار متواليته المعروفة بشأن عدم التفاوض مع أي حكومة فلسطينية تضم حركة حماس أو أياً من القوى التي تراها الدولة العبرية قوى مرفوضة من على طاولة المفاوضات، إلا إذا استجابت وأذعنت للاشتراطات الإسرائيلية المسبقة التي لا تنتهي عند حدود معينة.
في هذا السياق تراجعت الإغراءات الأميركية للطرف الفلسطيني، وهي على كل حال إغراءات متواضعة لتحل مكانها سياسة العصا، فتم عملياً إيقاف توريد الأموال الخاصة بالفلسطينيين من البنوك الإسرائيلية البالغة قرابة (500) مليون دولار أميركي، وهي الأموال المجباة إسرائيليا كضرائب لصالح الطرف الفلسطيني لقاء البضائع القادمة لمناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، حيث ربطت الإدارة الأميركية بين تدفقها نحو الخزينة الفلسطينية وبين تنفيذ إجراءات سياسية طولب بها الطرف الفلسطيني. بينما حلت رزم الإغراءات الحقيقية المالية وغيرها في سلة ايهود أولمرت وحكومته.
إن سياسة الغطرسة الإسرائيلية تتغذى الآن من مواقف واشنطن المعادية لتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية، والقمة الثلاثية الأخيرة زادت من جرعاتها، وزادت من الاشتراطات الإسرائيلية في وجه الفلسطينيين عموماً. وبهذا الحال فإن على الفلسطينيين مواجهة الاشتراطات إياها بمزيد من المواقف المتماسكة والسير السريع تجاه انجاز بناء وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية. فالوحدة الوطنية تبقي الجدار المنيع الذي يحطم كل الاشتراطات، وتفتح الطريق نحو تثمير عناصر القوة في الموقف الفلسطيني، وفي كبح الضغوط الخارجية ووقفها دون أن تحدث أي فعل أو اهتزاز في المعادلة الفلسطينية.
وبعيداً عن تحفظ القوة الثالثة في الخارطة السياسية الفلسطينية ممثلة بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على اتفاق مكة وإعلان نيتها عدم المشاركة في الوزارة القادمة، إن اتفاق مكة يبقى الآن الاتفاق الأجدى والأفعل نحو استعادة العافية للبيت الفلسطيني، ومنطلقاً للحوار الجدي الوطني الشامل دون استثناء أحد من ألوان الخارطة السياسية الفلسطينية.
فاتفاق مكة محمول بالثقل السياسي للملكة العربية السعودية، وبتأثيرها الايجابي الكبير على الطرفين الفلسطينيين الأساسيين : حركتا حماس وفتح، وبإسناد غالبية الدول العربية المؤثرة كمصر وسوريا، وبإعلان غالبية القوى الفلسطينية نيتها المشاركة بالحكومة.
إن الإدارة الأميركية التي استاءت وأعربت عن عدم ارتياحها من اتفاق مكة التوافقي بين فتح وحماس، تعمل الآن على محاصرة الاتفاق من خلال تقديم ورمي الاشتراطات غير المنطقية كثمن مسبق للتعامل والتعاطي مع الحكومة الفلسطينية الوحدوية القادمة، وتحاول في الوقت ذاته تجيير موقفها للتأثير على دول الاتحاد الأوروبي والمجموعة الدولية الرباعية (الكفارتيت) غير عابئة بالخيارات الديمقراطية التي اشتقها الشعب الفلسطيني.
ففي الاجتماع الأخير للجنة الرباعية جددت رايس الموقف الأميركي الداعي لوقف التعامل والتعاطي مع الحكومة الفلسطينية القادمة، في حين كان الموقف الروسي بمثابة الوزن السياسي الآخر في مواجهة حملة التحريض الأميركية ضد مشروع الحكومة الفلسطينية الائتلافية القادمة. فانتهى اجتماع الرباعية دون موقف نهائي من الموضوع المثار.
وعليه، إن أسوأ ما حملته الوزيرة الأميركية كوندوليزا رايس في جولتها الأخيرة بين دول الشرق الأوسط ودول أوروبا، هذه الضغوط الأميركية على الأطراف الضعيفة في المنطقة، خصوصاً الطرف الفلسطيني، وهذا الدعم المفتوح السياسي والمادي لحكومة إيهود أولمرت وائتلاف التطرف داخل الدولة العبرية، والوزيرة رايس، أعلنت قبل وأثناء وبعد زيارتها كلاماً معسولاً، أتبعته بدعوتها لـ « مقاطعة الحكومة الفلسطينية القادمة وطرح جملة من الاشتراطات غير المنطقية»، وبالنتيجة فإنها تدعو لممارسة وجبات من الضغط على الطرف الرسمي الفلسطيني.
وعلى كل حال، إن الفلسطينيين شبعوا، وأتخموا بالوعود والأقوال والمواقف الأميركية اللفظية دون أن يجدوا موقفاً جدياً واحداً في الضغط على الدولة العبرية الصهيونية، وعلى حكومة أولمرت تحديداً، وهي الحكومة الأكثر دموية تجاه الفلسطينيين في تاريخ إسرائيل.
والرسائل السياسية التي طيرتها الوزيرة الرشيقة كوندوليزا رايس، أكثر من أن يجري عدها. فهناك رسائل سياسية إلى دمشق، لإنهاكها، ووضعها تحت المطب اليومي من سياسة الضغط والتخويف الأميركية بعد أن باتت الساحة اللبنانية ميداناً فسيحاً ومستباحاً أمام واشنطن في لعبة السياسة الشرق أوسطية. وهناك رسائل لحزب الله ولكل التلاوين السياسية الحزبية اللبنانية ذات التوجه العروبي القومي المقاوم، وكلها رسائل تقع تحت خانة (تخويف + تحريض).
وبهذا المقام، فإن زيارة رايس للمنطقة لم تأت بالجديد الايجابي لصالح الفلسطينيين أو عملية التسوية المتوقفة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، فمعيار نجاح زيارة رايس من عدمه بالنسبة لعملية التسوية في الشرق الأوسط يتوقف على مدى قيام إدارة الرئيس بوش الابن باتخاذ خطوات ملموسة والانطلاق نحو تنفيذ خطة خارطة الطريق بشقيها المتعلقين بمتابعة مسألة الانسحاب الإسرائيلي الشامل ووضع الخطوط على الأرض لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، لا أن تكون جولة رايس وجولاتها القادمة ذات ضجيج وبروباغندا إعلامية فقط لتضليل الرأي العام الدولي قبل العربي، واصطناع أوهام جديدة سابحة في الهواء.
كاتب فلسطيني ـ دمشق
