لاشك ان من أكبر المآخذ على أي سياسي هو ان يصادر حق التمييز بين الخطأ والصواب في التحركات السياسية للآخرين، خاصة اذا كان هؤلاء الاخرون هم شركاء في إدارة دفة سياسة بلادهم ، هذا ما ينطبق على ادارة جورج بوش اليمينية الجمهورية في واشنطن التي صادرت حق كافة القوى السياسية الاميركية الاخرى في إبداء رأيها في سياسة بلادها الخارجية، ويوجد نموذج فج لمصادرة حق اعضاء الكونغرس في تفهم طبيعة وجذور وخفايا وتعقيدات ازمة الشرق الاوسط، وتتمثل في تحركات نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الاميركي، التي تزور دمشق حاليا رغم التنديد الاعلامي الواسع الذي يشنه الرئيس الاميركي وأبواقه الاعلامية وحاشيته اليمينية في الحزب الجمهوري وتجار السياسة الذين (يكيفون) سياسة الشرق الاوسط في الاتجاه الذي يخدم مصالحهم الشخصية تحت ستار إدارة السياسة الخارجية لبلادهم ومراعاة مصالح شعوبهم.

لقد اكتشفت بيلوسي ان ثمة خللا في السياسة الاميركية تجاه الشرق الاوسط وبلغتنا نحن سكان هذه المنطقة الأكثر تحديدا اكتشفت بيلوسي ان لدى الادارة الاميركية انحيازا أعمى للنظرية الاسرائيلية في إدارة الصراع العربي ـ الاسرائيلي ، انحيازا يرى الجيران العرب وأولهم سوريا كشر مطلق ولا خير يرتجى من الحوار معه.

لكن من حق بيلوسي والحزب الديمقراطي، ونواب الشعب الاميركي ان يعرفوا الحقيقة بعيدا عن (التعمية) التي تفرضها اسرائيل وانصارها في واشنطن.

بيلوسي تحمل مسؤولية تمثيل الشعب الاميركي ، وتود الاستماع المباشر الى الشركاء السوريين في العملية السلمية بالشرق الاوسط ، وذلك باعتبار سوريا لاعبا لا يمكن تجاوزه على مسرح السياسة الشرق أوسطية.

لقد جرّت الحرب على العراق نتائج كارثية على الشعب العراقي وشعوب المنطقة وكذلك على الشعب الاميركي واقتصاده ونظرة العالم لساسة اميركا وآليات الحكم فيها، ولأن الديمقراطيين ينافسون على كرسي الرئاسة في البيت الابيض فلابد ان تكون لهم رؤيتهم الخاصة حول اخطر قضايا السياسة الخارجية الاميركية، لذلك راحت بيلوسي الى دمشق غير عابئة بضجيج الجمهوريين.

ولا يمكن القول هنا بأن الديمقراطيين، اكثر عدالة في النظر لقضايانا وهذا ما تعلمناه من الماضي القريب، ولكن يمكن القول ان تجاذبات السياسة ومناخ الديمقراطية يقتضي ان تبحث بيلوسي عن عيوب واخفاقات الجمهوريين في المنطقة ـ وما أكثرها ـ ومن ثم يجد ملف الشرق الاوسط في السياسة الخارجية الاميركية بعض التوازن، وكذلك يجد السوريون فرصة لشرح موقفهم بعيدا عن الحصار المكثف المفروض عليهم من كل من اسرائيل والجمهوريين في البيت الابيض الاميركي الذي يرفض ان تظهر سوريا في إهاب الدولة الند في حوار سياسي بناء يستهدف البحث (الأمين) عن السلام والعدالة الإنسانية.

بالقطع ستستفيد بيلوسي والديمقراطيون في حملتهم للانتخابات الرئاسية ، لكن الشرق الاوسط سيستفيد مرحليا بالتقاط الأنفاس بعيدا عن الأيدي الضاغطة على جهازه التنفسي منذ جاء جورج بوش الابن ومجموعته الى البيت الابيض ببرنامج ضيق الأفق ومرتهن للوبي الصهيوني الى اقصى حد.

ونستطيع القول بكل أمانة في الطرح ان الصمود السوري في وجه الضغوط الخارجية والالتفاف العربي حول سوريا والفلسطينيين كما وضح في قمة الرياض العربية، كلها عوامل أدت الى اجهاض مخططات هواة الخراب واصحاب خيار السلاح كسبيل لمعالجة ملفات الشرق الأوسط، وليس فقط تحركات بيلوسي هي احدى نتائج هذا الصمود والتمسك بأركان القضية الفلسطينية العادلة والحق السوري في استرداد ارضه المحتلة دون التنازل عن اي شبر منها، بل ان تحركات الزعماء الأوروبيين في المنطقة والوزراء الفلسطينيين في الخارج ، كلها دلائل على احترام الرؤية السياسية العربية وجدارتها بان توضع في حسبان اي طرف يتعامل مع صراع الشرق الاوسط الذي طال مداه وتعقدت حبائله.