من الواضح ان اتفاق مكة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية واخيرا قمة الرياض العربية ، هذه المحطات السياسية الهامة في التطورات المتعلقة بعملية السلام الشرق اوسطية عامة وتسوية الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي على وجه الخصوص - قد احدثت حراكا دبلوماسيا واسع النطاق على الصعيدين الاقليمي والدولي وان زخم هذا الحراك ما يزال في تصاعد من خلال الزيارات والمشاورات التي تشهدها المنطقة وتلك التي يقوم بها مسؤولون فلسطينيون وعرب الى الدول الاوروبية والولايات المتحدة لاعطاء صورة واقعية عن جدية الفلسطينيين والعرب في سعيهم لتحقيق التسوية السلمية العادلة.
وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس زارت المنطقة وكانت لديها توقعات كبيرة باحراز تقدم ملموس في جهودها لاقناع الجانب الاسرائيلي بالدخول فورا في محادثات الوضع النهائي وهي التوقعات نفسها التي دفعت بالقادة العرب في قمة الرياض لاعلان تمسكهم بمبادرة السلام العربية - المبادرة التي رفضتها اسرائيل عند صدورها للمرة الاولى عام 2002 وخلال السنوات التي اعقبت الرفض الاسرائيلي للمبادرة لم تحرز عملية السلام اي تقدم وانما تراجعت الى الوراء الامر الذي حدا بالامين العام للجامعة العربية عمرو موسى ان يعلن في اواخر العام الماضي عن وفاة عملية السلام نتيجة التصلب الاسرائيلي المتمثل في اقامة الجدار الفاصل وتكثيف النشاط الاستيطاني والعمليات العسكرية الاسرائيلية القمعية المستمرة داخل الاراضي الفلسطينية وما تسفر عنه من اغتيالات واعتقالات وتدمير للبنية التحتية الفلسطينية.
وعلى الرغم من ان الجهود الدبلوماسية العربية والدولية التي تجددت بقوة نسبية في الاونة الاخيرة قد شملت عدة دول من تلك المعنية بعملية السلام ومنها المانيا على سبيل المثال التي قامت مستشارتها انجيلا ميركل بجولة شرق اوسطية خلال الايام القليلة الماضية فان هذه الجهود تصطدم دائما بجدار التصلب الاسرائيلي وتتلاشى تدريجيا نتيجة الضغوط التي تمارسها اسرائيل والمجموعات والمنظمات الموالية لها في الغرب ويعود الجمود ليسيطر ويخيم على اجواء المنطقة مما يعطي الفرصة للتوتر والاحباط وقد يولد اعمال عنف وعنف مضاد من شأنها القضاء على ما تبقى من فرص التسوية السلمية وايجاد حواجز وعقبات تحول دون استئناف المفاوضات.
وفي هذا السياق فان ما تناقلته وسائل الاعلام الاسرائيلية نفسها عن تعامل رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت بسلبية ملحوظة مع مقترحات رايس ورفضه الاستفادة من لقاءاته المخطط لها مرة كل اسبوعين مع الرئيس محمود عباس من اجل بحث مكونات الحل النهائي مما ادى الى ضآلة نتائج جولة الوزيرة الاميركية الاخيرة في المنطقة - والكلام ما يزال لمصادر الاعلام الاسرائيلية - هذا كله مؤشر على ان الحكومة الاسرائيلية تضيع فرصا تاريخية قد لا تتكرر لتحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة وتستهين بالجهود الدولية المكثفة لوضع حد للنزاع العربي - الاسرائيلي الذي شغل العالم لستة عقود متوالية.
والسؤال هو: حتى متى تستمر اسرائيل في تجاهلها لارادة المجتمع الدولي ورفضها للمبادرات السلمية العربية والدولية ؟ ان الاسرة الدولية مطالبة بالرد على هذا السؤال والبحث عن الوسائل الكفيلة بتغيير النهج المتعنت الاسرائيلي في اتجاه الايجابية والتعامل الموضوعي والفعال مع هذه الجهود والمبادرات التي تهدف اولا واخيرا لتبديد التوتر ووضع حد للعنف واحلال الاستقرار لمصلحة شعوب المنطقة كلها.