الدولة الدينية هي الدولة الثيوقراطية التي يحكمها ويقودها رجال الدين، والدولة المدنية هي دولة القانون والشراكة في المواطنة بغض النظر عن الانتماء الطائفي أو العرقي.
يزداد الحديث في عصرنا عن الدولة الدينية، ويأتي ذلك من التيارين الديني والليبرالي، فالتيار الديني يسعى بالأساليب السياسية والعنيفة فرض منهجية لإقامة الدولة الدينية، والتيار الليبرالي المتخوف من ذلك النهج يتحدث عن خطورة إقامة الدولة الدينية، وقصة طرح مسألة الدولة الدينية جاءت في ظل ظروف العالمين العربي والإسلامي خلال العقود الأربعة الماضية عندما بدأ صعود التيار الديني وانتشاره .
وأفرز تجارب سياسية دينية على مستوى حكم بعض الدول العربية والإسلامية، من الثورة الإيرانية في أواخر السبعينات من القرن العشرين، وحرب الأفغان ضد تدخل الاتحاد السوفييتي، ومن ثم إقامة دولة طالبان الدينية في الثمانينات من القرن الماضي، إلى سيطرة الإخوان المسلمين في السودان في الثمانينات والتسعينات بزعامة الترابي.
والسؤال: هل هذه التجارب تقدم نموذج الدولة الدينية، ومن ثم هل في الإمكان استمرارها وخلق تجارب أخرى؟ يبدو أن إقامة مثل ذلك غير ممكن وربما مستحيل فالتجارب السابق ذكرها في معظمها قد فشلت، والتجربة الإيرانية المتبقية تواجه ظروفاً صعبة، وفي الأساس فإن هناك فصائل في التيار الديني الإسلامي بجناحيه السني والشيعي غير مقتنع بإقامة الدولة الدينية.
إن ظروف العصر لا تسمح بإقامة مثل هذه الدولة لذلك لجأت بعض فصائل الإسلام السياسي إلى الالتفاف على الدولة القائمة بتحويلها إلى منهج وأجندة تلك الفصائل مثل الإخوان المسلمين والحركة السلفية على وجه التحديد، واتخذت لذلك أساليب التسلل إلى أجهزة الدولة القائمة والتي هي دولة مدنية، أو بالضغط عليها لتحقيق مكاسب ومواقع قيادية، وكذلك بتغيير بعض قناعاتها المبدئية فعلى سبيل المثال لم تكن القوى الدينية تؤمن بالديمقراطية ولا الحياة النيابية الدستورية.
معتبرة ذلك قانوناً وضعياً وتجارب غربية تغريبية، هذا كان رأيها حتى نهاية الستينات من القرن العشرين، ثم تغير التكتيك بدخول اللعبة السياسية وقبول المشاركة فيها في ظل الدستور والقانون الوضعي ليس بالتخلي عن الشريعة الإسلامية ولكن بتبرير العمل لأسلمة القوانين، وتعديل الدساتير حسب الشريعة الإسلامية التي يراها ويتبناها كل فريق من ذلك التيار الديني الأصولي.
أما مسألة الدولة المدنية، فإن ما هو قائم فعليا في العالم العربي فهو دولة مدنية لكن قد جرى اختراقها من قبل التيار الديني، وهذا الأمر يطرح طبيعة العلاقة بين التيارين الديني والليبرالي والدولة المدنية القائمة، لما كان ولا يزال هم السلطة البقاء والاستمرار، ولا يتحقق ذلك إلا بإجادة اللعبة السياسية بمنهج التوازن بين القوى الضاغطة والاستفادة من تناقضاتها فإن ذلك جرى في عدد من الدول العربية فلما تداعى وضع التيار القومي الليبرالي بعد هزيمة العرب عام 1967م.
وبدأ صعود التيار الديني ليكتسح الساحة العربية ويهيمن عليها منذ أواخر السبعينات من القرن الماضي قامت السلطة في الدول العربية بالتعاون مع التيار الديني والاستجابة لضغوطه لتحقيق هدفين، الأول ضرب التيار القومي والليبرالي، واليساري، والثاني لكسب ذلك التيار الذي يملك قوة شعبية ضاغطة، واستغل التيار الديني هذا الوضع باقامة مؤسساته السياسية والاجتماعية والمالية، والحصول على مواقع قيادية قريبة من أصحاب القرار، من هنا كان تأثير هذا التيار، وخطره على الدولة المدنية.
كما اتضح بان الجانب السياسي لدى التيار الديني هو الطاغي على خطابه ونهجه وممارساته أكثر من الديني او مغلف بالصبغة الدينية، لذلك رأينا هذا الصعود لذلك التيار، والتراجع للتيارات الأخرى. أما الدولة المدنية والتيار الليبرالي والعلماني اللذان يؤمنان بها ويعملان على بقائها وعدم تجييرها من قبل التيار الديني فإنها تعيش حالة من الاضطراب والتراجع، ولمعرفة أسباب ذلك يمكن طرح ما يلي:
1ـ لقد أضاع تيار الدولة المدنية الليبرالي الفرصة التاريخية بأخطاء تاريخية وقع فيها عند ممارسته السلطة، انعكست سلبياً عليه، وخدمت الاتجاه المضاد له، والذي عمل بذكاء لاستغلالها وتوظيفها لصالحه.
2 ـ إن السلطات في العالم العربي قد لعبت سياسياً على التناقضات بين التيارات في مجتمعاتها من منطلق مصلحتها دون أن تدرك مخاطر ذلك التوجه.
3 ـ إن القوى الخارجية التي لها مصالح في العالم العربي كانت تراقب وترصد ذلك النزاع وتدعم السلطات المحلية في اللعب على التناقضات لأنها كانت ولا تزال مستفيدة من ذلك.
4 ـ قوة وتأثير تيار الدولة الدينية، فالأمر طبيعياً عندما يكون ذلك التيار في المعارضة ويظهر بأنه الضحية لممارسات السلطات يحقق كسباً شعبياً.
الآن الحالة بين أنصار الدولة المدنية والدولة الدينية لا تبحث عن نهج توفيقي وإن تظاهر البعض من هذا الاتجاه أو ذاك، لذلك فالنزاع إن لم نقل الصراع قائم لأن الخلاف جذرياً يتعلق بالفكر، ثم هل المطلوب حلاً توفيقياً فعلاً، وهل المسألة هي بتوفر النية والثقة في الاتجاهين أم حتمية الصراع، ثم حتمية قيام الدولة المدنية أو الدينية؟
يبدو أنه لا مجال للحياد، ومسك العصا من منتصفها ذلك يحدث سياسياً من قبل السلطة القائمة لأن مثل ذلك النهج في مصلحتها، واللعبة السياسية متغيرة وزئبقية إلا أن الرأي الذي نراه هو أن لا مجال لإقامة الدولة الدينية، فالدين لله والوطن للجميع، والدولة المدنية هي التي تستوعب الجميع ليبراليين ودينيين وعلمانيين وغيرهم.
إن القناعة بالدولة المدنية وحدها لا تكفي إذ ان الأمر، يحتاج إلى مبررات واضحة ومحددة لهذا المشروع الذي هو قائم منذ استقلال الدول العربية، لكنه مشوه وغير سليم في الممارسة والواقع، وليس من مهمتنا وواجبنا أن نضع تلك الملامح والمبررات ونحددها، فهذا شأن كل من يهمه الأمر لكن اعتدنا بطرحنا للموضوع كي نساهم في الحوار حول هذه القضية.
نحن نعرف مدى حساسية طرح مثل هذه الموضوعات، بيد أن السكوت ووضع الرؤوس في الرمال ليس حلاً، وإن أجواء حرية الرأي وهامشها المعقول في بعض دولنا ووسائل إعلامنا يشجعنا على طرح مثل هذه القضايا.
كاتب كويتي