الجولة التي تقوم بها رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، في المنطقة؛ حظيت بقدر ملحوظ من الأضواء والقراءات، خاصة زيارتها لدمشق وتصريحاتها في هذا الخصوص. طبيعي أن تنال مثل هذا الاهتمام. موقعها الرسمي وظروف المنطقة، ناهيك عن واقع العلاقات الأميركية ـ السورية المعروف كله يفرض ذلك.

كذلك من الطبيعي أن تدور حولها التفسيرات والقراءات لأبعادها واحتمالاتها وما قد تنطوي عليه؛ على صعيد سياسة واشنطن إزاء المنطقة. لكن بدا أنه جرى تحميلها أكثر مما تحتمل. ربما من قبيل الحاجة إلى التفاؤل المطلوب والتغيير المرغوب في مواقف إدارة الرئيس بوش.

السيدة بيلوسي تحتل المنصب الثالث في هرم السلطة الأميركية هي أيضاً زعيمة الديمقراطيين في مجلس النواب، بحكم هذا المنصب، لا يستغني الرئيس بوش عن التعاون معها. صحيح أن تسيير أمور السياسة الخارجية، هو من صلاحياته لوحده. لكن لمجلس النواب كما لمجلس الشيوخ صلاحيات واسعة ـ خاصة مالية ـ في عملية التسيير هذه، هذا على الورق، أما على أرض الواقع يبقى الرئيس الأميركي ـ خاصة هذا الرئيس ـ المحرك والمقرر، خارج الحدود. وبالذات في أوقات الحروب.

ومن هنا مسارعته إلى الوقوف ضد جولة بيلوسي من باب أنها تبعث برسالة خاطئة إلى دمشق. ردّها انطلق من نقطة تحظى بتأييد واسع هذه الأيام في واشنطن، وهي أنها تسعى لفتح باب الحوار مع العواصم التي تسود علاقات متوترة بينها وبين واشنطن. خاصة دمشق وطهران.

تجربة حرب العراق المكلفة رجحت كفة أنصار الحوار، الذي سبق ودعت إليه لجنة بيكر. لكن بوش رفض ولا يزال هذا التوجه، بذلك سجلت بيلوسي على الرئيس نقطة. وحظيت دعوتها بالترحيب ليس في المنطقة فحسب، ولكن أيضاً في الساحة الأميركية، وهذا هو بيت القصيد في جولتها. فحزبها الديمقراطي هزم حزب الرئيس واستعاد الغالبية في مجلسي الكونغرس، بانتخابات نوفمبر الماضي. ركب موجة الاستياء الشعبي من حرب العراق وحقق فوزه. وهو الآن يكاد يبدأ حملته لانتخابات الرئاسة.

على هذه الخلفية، وفي هذا السياق جاءت زيارتها وجاء طرحها للحوار. وهو طرح صحيح، باعتباره البديل عن سياسة العصا وتفجير الحروب خاصة في هذه اللحظة، حيث يتزايد التوجس من احتمال وقوع مواجهة مع إيران، إذا ما صحت التوقعات التي لا تستبعد، وقوع ضربة عسكرية أميركية ضد إيران.

من هنا أهمية مبادرة رئيسة مجلس النواب الأميركي. وفي هذا التوقيت بالذات. وقد تؤدي زيارتها إلى زيادة الضغوط على الرئيس بوش، خاصة وأن سياسته تعاني من تزايد العزلة في الساحة الأميركية. لكن لا أكثر، وحدها المعطيات على الأرض يمكنها أن تدفع الإدارة إلى ترجيح سياسة الحوار: سواء مع الحكومة الفلسطينية أو مع دمشق أو غيرها. ووحدها ترجمة التضامن، الذي تجلّى في القمة العربية الأخيرة في الرياض، يمكنها أن تشكل العمود الفقري لمثل هذه المعطيات. وفي هذا الإطار، يمكن أيضاً أن يتم تجيير جولة بيلوسي التي جرت أصلاً بحسابات سياسية داخلية.