شهد النصف الثاني من القرن العشرين ظهور «نظام دولي» جديد عبّر بشكل أساسي عن توازن القوى بين المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، وكان من نتائج هذه التوازنات إنشاء منظمة الأمم المتحدة بعد مصادقة ممثلي خمسين دولة على ميثاقها في 24 أكتوبر عام 1945، عقب مؤتمر سان فرانسيسكو، حيث تم التوقيع على الميثاق في 26 يونيو من العام نفسه.
الأمم المتحدة جاءت بعد سابقتها «عصبة الأمم» التي تشكلت عام 1919 عقب حرب أخرى مدمرة هي الحرب العالمية الأولى، وأثبتت فشلها في أقل من عشرين عاماً، حيث عجزت عن منع نشوب الحرب العالمية الثانية سنة 1939.
ورغم الاعتراف بفشل الأولى والاستمرار في الثانية، إلا أنه لم تكن بين الهيئتين اختلافات جوهرية، باستثناء زيادة عدد الأعضاء الدائمين من أربعة إلى خمسة واستبدال عضوين سابقين مهزومين بآخرين من المنتصرين، حيث احتفظت بريطانيا وفرنسا بعضويتهما الدائمة بينما استبعدت ايطاليا واليابان وحلت محلهما كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي والصين، وهي الدول الخمس المتمتعة حالياً بامتياز النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي!
فقد حددت أهداف العصبة بأنها «التقليل من عملية التسلح العالمية وفكّ النزاعات قبل أن تتطور لتصبح نزاعاً مسلّحاً كما حدث في الحرب العالمية الأولى»®. وتوفير «ضمانات متبادلة للاستقلال السياسي واحترام وحدة تراب الأمم الكبيرة والصغيرة على حد سواء».
أما ميثاق الأمم المتحدة فقد حدد أهدافها الأساسية على أنها «إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف»®. وتأكيد الإيمان من جديد «بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية»®.
وفي سبيل هذه الغايات، كما ورد في الميثاق، التزمت الدول الأعضاء بـ «أن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش معاً في سلام وحسن جوار، وأن نضم قوانا كي نحتفظ بالسلم والأمن الدولي، وأن نكفل بقبولنا مبادئ معيّنة ورسم الخطط اللازمة لها ألاّ تستخدم القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة، وأن نستخدم الأداة الدولية في ترقية الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للشعوب جميعها...».
لكن، ما هي مناسبة كل ذلك الآن؟
الواقع أن نظرة بسيطة على ما يعانيه العالم حالياً من حروب ونزاعات وتهديد بالمزيد منها، تظهر أننا في الحقيقة نعيش حالة «حرب عالمية» وإن كانت مجزأة أو «بالمفرق»! ليس هذا فحسب، بل إننا محكومون بدكتاتورية عالمية تفرض رؤيتها وهيمنتها على الجميع منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وكتلته الاشتراكية بداية التسعينات الماضية، بعيداً عن أي شكل من أشكال المساواة بين الدول «كبيرها وصغيرها»، أو حتى بين الدول الكبيرة من ناحية والقوة الأكبر عسكرياً واقتصادياً في الوضع الدولي الراهن من ناحية أخرى.
وبالتالي فان منظمة الأمم المتحدة قد وصلت إلى حالة من العجز والفشل لا تختلف كثيراً عما شهدته قبلها عصبة الأمم التي انهارت واعترف لها الجميع بالفشل.
لقد تحولت المنظمة في وضعها الحالي، على الأقل بالمقارنة مع ما حدد لها من أهداف وغايات وفقاً لمعاهدة إنشائها، إلى مجرد صورة باهتة لنظام دولي مزيف أو مغشوش، هذا إن لم يكن ملوثاً ويهدد من يتعاطاه بالتسمم!
فلماذا لا يتم الاعتراف بفشل «الأمم المتحدة»، تمهيداً لإنشاء منظمة دولية جديدة تتمتع بالحد الأدنى من العدالة والمساواة بين الدول والشعوب، وبقدر مماثل على الأقل من القدرة على الالتزام بميثاقها وتحقيق الأهداف المرجوة من إنشائها؟!
صحيح أن هذه المنظمة لم تحقق في السابق ما كان منتظراً منها لصالح الشعوب والسلم والأمن الدوليين، لكنها خلال الخمسين سنة الأولى من عمرها ساهمت في إيجاد نوع من توازن القوى بين المعسكرين الشرقي والغربي، خفف بدوره من حدة النزاعات واتساع نطاقها. كما مثلت، خلال تلك الفترة، إطاراً للحوار وللمساومات والمقايضات بين القوى الدولية المتنافسة، وخاصة الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية.
أما اليوم فان وجود قوة دولية عظمى وحيدة ومستبدة، مع ضعف أو تخاذل القوى الدولية الأخرى، يضع العالم كله في مواجهة فوضى هدامة قد تهدد مستقبل البشرية كلها، ما لم تجد من يقف في وجهها ويصحح مسارها، من خلال نظام دولي جديد يحتكم إلى العقل والمنطق ويعيد الاعتبار للمواثيق والمعاهدات الدولية التي توافقت حولها الإنسانية جمعاء بعد كثير من المعاناة والتجارب المأساوية المريرة.فهل آن الأوان ليتحقق هذا الحلم للإنسانية أم أن لوبيات الجشعين والمتسلطين ستظل تتحكم فينا.. حتى النهاية؟!