دعوة رئيس الوزراء الاسرائيلي إيهود أولمرت لعقد مؤتمر سلام يرعاه الملك عبدالله بن عبدالعزيز ويحضره الاسرائيليون هي دعوة مضللة، فقد يتساءل البعض، لماذا صدرت هذه الدعوة بعد اتفاق مكة بين فتح وحماس وصمود هذا الاتفاق بقيام حكومة وحدة وطنية قوية ومستقرة ثم نجاح مؤتمر القمة الأخير في الرياض في توحيد اللحمة العربية وإعادة التأكيد على مبادرة السلام العربية دون أي تنازل او تغيير في ملف اللاجئين او قضية الانسحاب الى حدود 1967 مقابل سلام وتطبيع مع اسرائيل.
لا يمكن تفسير موقف أولمرت هذا الا انه نوع من المراوغة المألوفة في السياسة الاسرائيلية .. مألوفة الى حد السأم والتجاهل بل الأغرب من الدعوة الاسرائيلية وتوقيتها هو ما صرح به أولمرت من أنه لو تمت دعوته لقال لخادم الحرمين ما يدهشه!!
ما هذا الذي ينوي أولمرت ان يقوله للعاهل السعودي فيدهشه؟ هل سيفضي اليه بحفنة من المؤامرات الاسرائيلية التي تستهدف الوقيعة بين الزعماء العرب استناداً إلى (محصلة استخباراتية للفتنة)؟
ان موقف أولمرت هو نتيجة شعور اسرائيل بالإحباط لانفراط عقد التأييد الدولي لاسرائيل بعد اتفاق مكة وقمة الرياض، حيث يحاول رئيس الوزراء الاسرائيلي استثمار النجاح السعودي في محاولة لرد الكرة إلى الملعب العربي.
هذه الاساليب المتكررة والالتفافية لن تنقذ اسرائيل من المأزق، وها هي ترى وفود الجمهوريين والديمقراطيين تتسارع للسفر إلى دمشق والتباحث مع سوريا وقيادتها وجها لوجه، لتسقط بذلك المؤامرة الاسرائيلية لدفع الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة مع سوريا.
كذلك فإن التهديد بافتعال حروب جديدة في المنطقة لن يجد حفزاً من جانب اصدقاء اسرائيل سواء في هجوم على غزة او حزب الله أو حتى سوريا كما قال الجنرال الاسرائيلي عاموس يدلين الذي زعم في جلسة الحكومة الاسرائيلية أن سوريا وايران وحزب الله يستعدون للهجوم على اسرائيل في الصيف.
بالطبع هذه ألعوبة مكشوفة ايضاً اذ تتحسب اسرائيل لرد من ايران في حالة مهاجمة القوات الاميركية للمواقع النووية الحساسة في إيران مما قد يسبب رد فعل إيراني عسكري على اسرائيل كما هددت طهران مراراً، وبالتالي تريد اسرائيل ان تستغل هذا الموقف ـ في حالة حدوثه فعلاً ـ لافتعال حرب إقليمية ضد العرب بذريعة الدفاع عن النفس، وكي تكتمل خيوط الألعوبة يحمل أولمرت نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الاميركي رسالة (تطمين) لسوريا بأن اسرائيل لا تنوي مهاجمتها!
فمن نصدق يا ترى: أولمرت أم عاموس يدلين العرب تعلموا من تجارب الماضي كثيراً، وهم في النهاية باقون على أرضهم مهما تعددت عليهم الهجمات الاسرائيلية المدعومة اميركياً او اوروبياً، وطالما هم باقون على أرضهم فسوف يدافعون عن انفسهم كما دافعوا من قبل، واذا شاءت اسرائيل ان تقصر على نفسها الطريق فلتلجأ بدلاً من هذه الحيل المكشوفة إلى الجلوس مباشرة على مائدة المفاوضات حسب دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس. وإن اراد اولمرت ان يقول شيئاً لزعيم عربي فليقل ذلك بوضوح وبعلانية بدلاً من (الهمس في الأذن).
مشكلة الاسرائيليين ايضا انهم افتقدوا القدرة على اختلاق حيل جديدة يمكن لها أن (تنطلي) على العرب، ولذلك فشلوا في الوقيعة بين فتح وحماس او بين بلد عربي وبلد آخر، او بث وقيعة بين ثنايا الشعب اللبناني ودفعه للاقتتال، وعادت أحلام (الأمن بلا ثمن) تراود الاسرائيليين من جديد .
لكن هيهات أن تنال إسرائيل تنازلاً بلا ثمن. فليتقدم الاسرائيليون ويتحدثوا (بشجاعة) مع الفلسطينيين عن (العناصر الايجابية) التي لمسوها في مبادرة السلام العربية، وبعدها يمكن لهم أن يطلبوا عقد (قمم) مشتركة مع القادة العرب، اما الضغط والهمس في الأذن بالفتن والوقيعة فقد مضى زمانها الى غير رجعة، والزمن كفيل بأن يجبر اسرائيل على تصديق هذه الحقيقة.