منذ قبول مبادرة روجرز في العام 1970، تعددت مشاريع السلام، وكانت الدول العربية قد بادرت بجعل الفرص تأخذ اتجاهها نحو سلام عادل، إلا أن إسرائيل حاولت في كل المواقف أن تشطب وتضيف بهدف عرقلة أي عمل يكسر حالة التوقف الطويل الذي أدى إلى الحروب ثم النهايات غير السعيدة لهدنة مفتوحة على كل الاحتمالات بما فيها عودة الأزمات من جديد.
أولمرت الذي وُصف بالزعيم الضعيف، أي أنه لا يرقى لبيغن، ولا يصل لمستوى شامير، عجز عن أن يخرج من عباءة الاثنين بحيث يضع له بصمة خاصة يكمل بها مشوار معلميه ومؤسسي الدولة العبرية، حتى إنه لم يستفد من عامل الزمن الذي، ولأول مرة، نجد ما يشبه التوافق بين الإسرائيليين والعرب على ضرورة السلام كحل نهائي، ولذلك حين جاء المشروع العربي الذي أجمعت عليه معظم الدول حتى الصديقة لإسرائيل، وضع أولمرت حواجز جديدة تشبه حائط الفصل العنصري، وهذا لن يجعل الفرص متاحة ويمكن استغلالها.
الموضوع يحتاج إلى شجاعة من إسرائيل، حيث جربت كيف تجعل خياراتها معاكسة، ولعل التوقيت الآن يعتبر الأفضل لأن الجميع مهيأ لأن يواصل المشوار وبإدراك أن هناك تساوياً بالأهداف والمكاسب، وحتى التضحيات إذا ما آلت إلى إيجابيات تحسم أمور صراع ما يزيد على نصف قرن فهي قيمة بحد ذاتها..
إسرائيل تعلن قوتها وتماسك مجتمعها، وأنها نخبة بين متصارعين لم يهتدوا لنظام ديموقراطي، واستطاعت أن تتفجّر بينهم حروب الأقليات والمذاهب والطوائف، وهي تعتقد أن هذا الضعف العام يعطيها فرصة فرض حلولها، وهو أمر لا يتوافق مع الواقع، ولذلك من الخطأ بناء الاستراتيجيات على حالة ما دون النظر بعيداً إلى المستقبل، وأن إسرائيل لا توجد لها خيارات دائمة، فإما أن تحصل على جائزة السلام، وإما أن تغرق مع جيرانها في بحر القطيعة والخلافات وديمومة الحروب التي لا نهاية لها، وهنا لا بد من جعل المبادرة هدفاً، وأن يقابلها مشروع سلام مماثل مكتوب يسبق أي اجتماع يطالب به أولمرت أو أي جناح آخر..
الدول العربية تستطيع أن تتأقلم مع أي ظرف ما محكومة بقواها الذاتية الضاغطة بالجغرافيا والديموغرافيا، ثم إن تجارب الشعوب الأخرى في جنوب أفريقيا، وإلغاء حالات التمييز بين شعوب كثيرة، جاء كجائزة عالية في التعايش، والبدء في حياة تلتقي مع الأهداف العليا، وطبيعي أن يخترع العرب والإسرائيليون نموذجهم حتى لا تقف العجلة أو تدور على فراغ سياسي لا تملؤه أي خطى باتجاه عقلانية الحل وقيمته..
عموماً السلام خيار إجباري فهل تكون إسرائيل بشجاعة العرب وتصل إلى نقطة العودة بدلاً من تأزيم الحياة ومواقفها؟..