قال أولمرت: «لدى حلم يتمثل في اتفاقية سلام شامل في الشرق الأوسط في غضون خمس سنوات»، ولو كان صادقا لقال بالأحرى: «اسرائيل ستواصل مماطلتها للفلسطينيين والعرب للسنوات الخمس القادمة على أقل تقدير، وقبل ذلك قال سلفه اسحاق شامير: بوسعي أن أتفاوض مع العرب على مدى عشر سنوات دون أن يظفروا مني بنتيجة».

ولا يحتاج أولمرت أن يلقي ببصره بعيدا أو يرجع إلى التاريخ ليستلهم قولة شامير. ذلك أن بين يديه المماطلة الإسرائيلية للفلسطينيين التي امتدت حتى الآن لمدة 14 عاما منذ ابرام اتفاق أوسلو. فحتى هذه اللحظة لايزال قادة «منظمة التحرير الفلسطينية» يلهثون وراء سراب «الوضع النهائي» بعد أن رحل ياسر عرفات وفي نفسه شيء من «حتى».

الفلسطينيون أصبحوا إذن موعودين بفصل جديد من المماطلة يتخذ من «المبادرة العربية» عنوانا رئيسيا جديدا. فحتى قبل أن يصدر رسميا إعلان القمة العربية في الرياض بإعادة إطلاق مشروع المبادرة شرع القادة الإسرائيليون في تحويلها إلى مناظرة إعلامية توطئة لتحويلها إلى مجادلة سياسية عقيمة تمتد لسنين على غرار جدلية البيضة والدجاجة.

المبادرة كما نعلم عملية مقايضة: أعطني الأرض.. وفي المقابل أعطيك الاعتراف والتطبيع، وأولمرت لا يرفض المبادرة تماماً وإنما يقدم لها تفسيراً ينزع عنها عنصر المقايضة لتكون هدية عربية إلى إسرائيل.. أي الحصول على التطبيع العربي مع الاحتفاظ بالأرض. لا يفصح عن ذلك صراحة لكنه يتساءل: كيف نقبل أو نرفض المبادرة العربية دون أن يجلس معنا العرب لمناقشتها؟

وبالطبع فإن جلوس ممثلي دول عربية مع ممثلين إسرائيليين سيعني اعترافا عربياً بالدولة الإسرائيلية، من هنا تبدأ جدلية البيضة والدجاجة: هل يصح التطبيع أولاً؟ ولك أن تتصور أن قادة إسرائيل سيعمدون إلى إطالة الأمد الزمني لهذا الجدال القديم إلى أقصى حد زمني ممكن.. ربما خمس سنوات لا يعرف بعدها أين تتجه الأمور.

الولايات المتحدة من جانبها سيكون لها مساهمتها مع شريكتها في عملية إهدار الوقت وتمديد عمر المماطلة الإسرائيلية. وفي هذا الصدد ستسعى واشنطن للعمل على خطين متوازيين مستغلة تجاوباً من رئيس السلطة الفلسطينية محمود أبو مازن.

على أحد الصعيدين نجحت السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية في إقناع الرئيس أبو مازن بالمشاركة في لقاءات ثنائية منتظمة مع أولمرت بمعدل مرتين شهرياً.. ورايس نفسها قد تشارك في بعض هذه اللقاءات. وهي لقاءات لا غرض منها سوى مناقشة شؤون فارغة مثل حالة الطقس والتقاط الصور.

على الصعيد الثاني ستدفع واشنطن الأمور في اتجاه إشعال حرب أهلية بين فصيل فتح الذي يقوده أبو مازن وفصيل حماس. وقد ورد في آخر الأخبار أن إدارة بوش تعتزم تقديم نحو 60 مليون دولار لتعزيز قوات الأمن وفصيل فتح التابعين للرئيس عباس.

وبطبيعة الحال إذا اشتعلت مثل هذه الحرب فإن نيرانها سوف تأكل أول ما تأكل وثيقة المبادرة العربية.