في كلمته التي وجهها إلى مؤتمر دبي الرابع للإغاثة والتطوير، دعا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، إلى ضرورة تكاتف دول العالم لتحقيق السلام والأمان، دعوة تصلح لكل مكان وزمان، لكن العالم لم يكن مرة في حاجة ماسة إلى العمل بها.

كما هو اليوم، وبالتحديد في منطقتنا التي تعيش مرحلة مضطربة وغير مسبوقة بحجم وعمق أزماتها؛ كما بالمخاطر التي تنطوي عليها وتهدد بها، فالأزمات العاصفة بأكثر من ساحة، في هذا الجزء من العالم، تزداد تعقيداً واستعصت على المحاولات والمعالجات التي تناولتها، بل هي تشعّبت وتداخلت بحيث راحت تفرّخ مشكلات، متناسلة عنها، لتفتح بذلك مجمل الأوضاع على المجهول المخيف.

الساحة العراقية لم تنفع معها كل العقاقير التي استخدمت حتى الآن لوقف نزفها، على العكس لقد بات النزف بحجم الشلال، وآخر الأرقام تشير إلى أن عدد الضحايا المدنيين الذين سقطوا في شهر مارس الفائت ارتفع بنسبة 15% عن الشهر الذي سبقه؛ والذي شهد بداية العمل بالخطة الأمنية الجديدة، كذلك واصلت مشكلة النزوح وما يرافقه من فرز سكاني تفاقمها، كما استمرت ظاهرة العثور على الجثث المجهولة الهوية بالجملة.

أيضاً التوتر الإيراني الغربي، الذي بدأ بالملف النووي، يدخل اليوم في أزمة البحارة البريطانيين المحتجزين لدى طهران، وقد استحوذت في الأيام الأخيرة على معظم الاهتمام والمتابعات، في ضوء ارتفاع درجة حرارتها وتزايد التصعيد بشأنها بين لندن وطهران.

وفيما تتجه الأنظار شطر هذا التطور في الخليج عادت الأزمة اللبنانية إلى الغليان السياسي، الذي يهدد باستمرار الدوران والمراوحة في أحسن الحالات، وهي مراوحة لم يعد الوضع اللبناني بقادر على احتمالها.

وحتى الوضع الفلسطيني لم يقو بعد على الانطلاق المنشود، بعد تشكيل حكومته الائتلافية، بعض الرواسب الداخلية لا تزال قائمة، ولكن العثرة الكبيرة تتمثل في استنكاف مجموعات دولية، خاصة أوروبية فضلاً عن واشنطن، عن التعامل المباشر مع هذه الحكومة، وتمكينها بالتالي من الالتفات إلى مهامها اليومية والوطنية.

كل هذه الأزمات والملفات ومعها الملف الصومالي المستجد ناهيك بالسوداني القديم؛ كبرت وفاضت عن وعائها؛ وبالتالي عن القدرة المحلية لمواجهتها، وربما كان تركها بحالها وابتعاد أو حتى تجاهل المجتمع الدولي لها؛ ساهم في تأجيج وتفاقم أوضاعها؛ بحيث تضخمت وصارت مخاطرها تهدد الأمن الدولي كما الإقليمي.

لا جدال حول تأثير قضايا الشرق الأوسط على ما هو أبعد من محيطها، هكذا كانت الحال عندما كانت قضيته المركزية لوحدها في الساحة، فكيف الآن وقد فرّخت إلى جانبها قضايا وأزمات أخرى لا تقل وزناً أو خطراً، وإذا كان الاهتمام الدولي مطلوباً حضوره الفاعل باستمرار؛ فإنه اليوم بات بمثابة العامل الذي لا غنى عنه للتعامل مع القضايا الشائكة المؤثرة في عموم الساحة الدولية، وبالذات مشاكل منطقتنا، فبقدر ما هي قضايا السلام الدولي مترابطة بقدر ما هي الحاجة إلى تكاتف بلدان العالم، كما قال صاحب السمو الشيخ محمد، ملحّة وعاجلة.