يتراءى في الأفق الاستراتيجي الدولي تغيير هام وأساسي في تعاطي باريس والاتحاد الأوروبي مع الملفات العربية، بسبب رحيل الرئيس جاك شيراك عن قصر الاليزيه يوم 7 مايو المقبل، مهما كانت نتائج الانتخابات الرئاسية الفرنسية ومهما سيكون الفائز. فلا مناص من أن نرى صفحة تقليدية من العلاقات الفرنسية العربية تطوى نهائيا، بما فيها من ايجابيات وسلبيات، وما احتوت عليه من مسرات ومضرات، منذ نصف قرن.
ويذكر كل محلل سياسي وكل مؤرخ للعلاقات الدولية ما بعد الحرب العالمية الثانية وما بعد استقلال الشعوب العربية بأن لباريس منذ وصول الجنرال شارل ديجول إلى سدة الحكم عام 1958 سياسة خارجية إزاء الشرق الأوسط تعرف بالسياسة العربية، أي أنها كانت متميزة عن الدبلوماسية البريطانية( تلك الإمبراطورية الاستعمارية الأخرى ).
وكذلك عن السياسة الأميركية ( تلك الإمبراطورية الجديدة الوريثة غير الشرعية للإمبراطوريات الأوروبية ) بكونها استخلصت بعض دروس الماضي واستوعبت عبر التاريخ وتعاملت مع القضايا العربية بكثير من الاعتدال، بالمقارنة مع السياسة الأميركية والبريطانية.
ويعتبر الرئيس شيراك آخر من يخلف الجنرال ديجول لأنه ابن حزبه اليميني الجمهوري ولأنه حامل تراثه الإيديولوجي ويعتمد على أكثرية ديجولية يدين لها باستئجاره لقصر الاليزيه من 1995 إلى 2007، إلى جانب كون شيراك يعتبر آخر رئيس للجمهورية الفرنسية كان وزيرا للجنرال ديجول، لأن الجيل الصاعد في الفضاء السياسي المرشح لخلافة شيراك في قصر الاليزيه هو جيل الشباب المولود في الخمسينات من القرن العشرين.
ولفهم السياسة العربية الديجولية التي تبناها ونماها شيراك لا بد من العودة إلى الجمهورية الرابعة التي طغت عليها ظلال الاشتراكيين في الخمسينات، وكان الرئيس الاشتراكي (روني كوتي) هو الذي قام بالعدوان الثلاثي على مصر في مغامرة حمقاء بسبب تأميم قناة السويس.
وكان وزيرة للخارجية انذاك (كرستيان بينو) هو المهندس الحقيقي للعدوان على مصر لتأديب الزعيم جمال عبد الناصر على مساعدته لثوار الجزائر وإعانة إسرائيل على حيازة التفوق العسكري النووي الاستراتيجي في الشرق الأوسط. وأذكر للتاريخ بأن هذا الوزير في آخر أيامه أطلعني شخصيا على كثير من أسرار وخفايا العدوان الثلاثي، معبرا عن الندم عن عدوان أخرق أسقط الحكومة الفرنسية آنذاك، ونشرت تلك الاعترافات في ابانها على الصحافة العربية.
ثم ان نفس الرئيس الاشتراكي هو الذي قمع الشعب الجزائري منذ اندلاع ثورته المباركة عام 1956 وقتل واضطهد وسجن وخرب ودمر وأحرق، إلى أن جاء ديجول إلى السلطة في باريس، فدشن عهدا جديدا أوصل الجزائر إلى استقلالها بوضع حد للاستعمار. وهو ما يعتبر بداية عهد السياسة العربية لباريس، التي توجها الرئيس شيراك بالمصادمة الشهيرة مع جنود الاحتلال الإسرائيلي يوم 22 أكتوبر 1996 عند زيارته للقدس المحتلة.
ونذكر للرئيس الفرنسي شيراك أيضاً حرصه على استقلال القرار السياسي الفرنسي أمام حملات الهيمنة الأطلسية والتنازلات البريطانية، فقد عارض احتلال العراق لأن الحرب على العراق كانت قرارا أميركيا ولم يكن قرارا من منظمة الأمم المتحدة، ولم يشارك في الأحلاف التي لا تكون باريس مقتنعة بها أو تراها مضادة لمصالحها.
ولعل نيكولا ساركوزي سيستخلص الدرس القاسي، في حال ما إذا أصبح هو الرئيس القادم للجمهورية الفرنسية، لأنه بدأ حملته الانتخابية في واشنطن مقدما التنازلات الكبرى للمحافظين الجدد، مما جلب له انتقادات الرئيس شيراك الذي اشترط عليه العودة للصف التقليدي في الدبلوماسية المتوازنة ليمنحه مساندته، وبالفعل تراجع المرشح ساركوزي يوم 14 يناير الماضي عن الولاء الأطلسي وأعاد صياغة سياسته الخارجية في برنامجه الرئاسي على أساس التوجه الديجولي والشيراكي المعروف.
ولابد من الإشارة إلى أمر آخر صبغ السياسة الفرنسية باتجاه العرب والأفارقة في كل مراحل الجمهورية الخامسة منذ نصف قرن، وهو الطابع الأبوي المفرط الذي يطبع تعامل باريس مع البلدان العربية والافريقية شعوبا وقادة. وهذه الظاهرة لم يشذ عنها الرئيس المغادر شيراك، بل عززها بذلك التعالي النفسي الذي يحرص عليه أمام نظرائه العرب والأفارقة، بسبب التراث الاستعماري الطويل الذي لون علاقات الشعوب المستقلة بعاصمة المستعمر القديم بألوان التبعية الثقافية واللغوية وانتظار المدد والسند دائما من باريس.
ولا يخفى بأن صحيفة(لوموند) ظلت إلى السنوات القليلة الماضية هي الصحيفة الوطنية الحقيقية لعدد من البلدان الخارجة من نير الاستعمار، وظلت باريس هي عاصمتها الأخرى والسربون هي جامعتها الأولى، تحت مسميات الفرنكفونية والتعاون ونقل التكنولوجيا والحوار شمال جنوب. وواصل الرئيس شيراك ذلك التوجه المتعالي حتى أنه أصبح من الطبيعي أن توكل أغلب دول الاتحاد الأوروبي شؤون التعامل الأوروبي مع العرب والأفارقة لباريس.
ومن الطبيعي أن هذه الظاهرة المزعجة ستختفي تماما بعد شيراك ليحل محلها مع الرئيس القادم أو الرئيسة القادمة عهد جديد من الاحترام المتبادل والتقدير المشترك، على أساس حرية الشعوب في خياراتها واستقلال الدول في قراراتها، دون هيمنة خفية لا مجال لبقائها في عصر الحريات والهويات.
كاتب تونسي
alqadidi@hotmail.com
