بنفس طريقتها في التعامل مع قرارات الشرعية الدولية ونصوص اتفاقيات السلام التي وقعتها مع عدد من الدول العربية، تحاول إسرائيل حاليا التعامل مع مبادرة السلام العربية التي جددت قمة الرياض التمسك بها الأسبوع الماضي.
تقوم هذه الطريقة على فكرة بسيطة لكنها راسخة في العقلية الصهيونية، ومفادها تركيز الجهد الدبلوماسي والإعلامي للفوز بالمكاسب التي توفرها تلك القرارات والنصوص، دون تقديم الثمن المطلوب، وعلى ما يشهد التاريخ القريب للصراع العربي - الإسرائيلي، فقد استفادت إسرائيل من مؤتمر مدريد للسلام الذي عقد عام 1991، بما اعتبرته إقرارا عربيا بشرعية وجودها في إقامة علاقات دبلوماسية مع قوى دولية كبيرة كالصين والهند، لكنها تجاهلت فيما بعد كل مبادئ هذا المؤتمر وأبرزها مبدأ الأرض مقابل السلام، وذلك قبل أن تجهض المفاوضات التي تولدت عنه بشكل نهائي، وتتجه للتفاوض المنفرد والسري مع الفلسطينيين في أوسلو عام 1993، حيث وقع الطرفان اتفاق "غزة - أريحا"، الذي استغلته تل أبيب للحصول على تنازلات فلسطينية كبيرة، دون أن تلتزم بأي من بنوده كالإفراج عن الأسرى، والسماح بإقامة دولة فلسطينية.
ومع مبادرة السلام العربية أيضا، تسعى تل أبيب لصيد الفوائد دون تقديم المقابل المنصوص عليه في المبادرة، ومن يتابع تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود اولمرت ونائبه شيمون بيريز خلال الأيام التي تلت قمة الرياض سيجد أن هناك محاولة لتحويل المبادرة من إطار لتحقيق سلام شامل بالمنطقة، إلى مجرد مادة للتفاوض، قابلة للاجتزاء والتعديل، والهدف - على ما تؤكد السوابق الصهيونية - هو إدخال العرب في دوامة كلامية يراهن الإسرائيليون على أنها ستؤثر على حالة التوحد العربي، وستفسح في ذات الوقت المجال أمامهم للمضي قدما في تنفيذ مخططاتهم سواء في القدس المحتلة أو الضفة الغربية.
لقد قالت قمة الرياض كلمتها واضحة وحاسمة؛ سلام يعيد الأرض المحتلة لأصحابها، ويسمح للاجئين بالعودة لديارهم مقابل إنهاء للصراع وإقامة علاقات مع إسرائيل. والحق أن القادة العرب، أثبتوا عبر إصرارهم على عدم المساس بنصوص المبادرة، ثم بتشكيلهم لجنة لترويجها عالميا، أنهم واعون بما سوف تتبعه تل أبيب للالتفاف على هذه الخطوة، لكن الأهم من ذلك هو سرعة التحرك العربي للاستفادة من المواقف الدولية الداعمة لمقررات قمة الرياض من جهة ولسد الطريق أمام دبلوماسية دولة الاحتلال الساعية للتشويش على عدالة الموقف العربي من الجهة الثانية.