لم يكن من المستغرب أن تنفد تذاكر حفل المغنية الكولومبية الشهيرة شاكيرا الذي أقيم الشهر الماضي في دبي، ولم يكن من المستغرب أن تتراوح أسعار البطاقات العادية بين 70 و100 دولار أميركي وأن يكون سعر بطاقة كبار الشخصيات (VIP) ثلاثمئة دولار، خاصة وأن هذه الفئة من التذاكر كانت تتمتع عندما أعلن عنها بخدمات خاصة تتمثل في ردهة للطعام والشراب ملاصقة لموقع الحفل قريبة من المسرح تتيح للراغبين الاسترخاء في أجواء من الرفاهية قبل وبعد الحفل.
كان طبيعياً أن يشهد حفل مثل هذا لمغنية تتمتع بشهرة عالمية مثل شاكيرا إقبالا غير عادي من قبل الجمهور الذي حجز البعض منهم تذاكره عن طريق الانترنت، وجاء من دول خليجية مجاورة لمشاهدة مطربته المحبوبة وهي تشدو بأغنياتها الشهيرة للمرة الأولى في دبي، ضمن جولة لها شملت الهند والقاهرة وبعض المدن الأسبانية.
ولكن يبدو أن الشركة المنظمة للحفل أرادت أن تختبر حب الجماهير لمطربتها، أو أنها رأت أن مشاهدة مطربة مثل شاكيرا على الطبيعة والاستماع إليها مباشرة ليس من السهولة التي يكفي أن تدفع معها مثل هذا المبلغ فقررت أن تجعل الوصول إلى مكان الحفل اختبارا يخوضه من يرغب في حضور الحفل.
وأقامته في قلب الصحراء لتجعل الطريق إليه ضريبة يدفعها محبو شاكيرا، فارضة عليهم أن يقطعوا عدة كيلومترات سيرا على الرمال بعد أن يكونوا قد خاضوا أزمة سير خانقة، ليصل عدد غير قليل منهم بعد بداية الحفل فلا يحظى برؤية نجمته المفضلة إلا قليلا من الوقت المخصص للحفل، والذي بلغ بالكاد ساعة وربع الساعة من الغناء. وهكذا تجسدت معاناة الجمهور في الوصول إلى مكان الحفل ثم انتظار المئات منهم في الخارج وهم يشتعلون غضبا بعد أن بدأت شاكيرا الغناء دون أن يتمكنوا من الدخول، حتى أن العديد منهم لم ينعم برؤية مغنيته المحبوبة إلا لوقت قليل هو ما تسنى له مما تبقى من مدة الحفل.
ربما يقول البعض: وما شأننا نحن بالموضوع؟ إنه شأن شاكيرا ومعجبيها الذين عليهم أن يدفعوا ضريبة إعجابهم بمطربتهم المفضلة مهما كان حجم هذه الضريبة، أو يبدون اعتراضهم عليها بالطريقة التي يرونها. وهو قول يقترب كثيرا من المنطق الذي يقضي بعدم التدخل في القرارات الفردية التي يتحمل أصحابها مسؤوليتها الكاملة وتبعاتها، كون المنفعة والضرر المترتبين عليها يلحقان بهم ولا تمتد آثارهما إلى ما هو أبعد من أصحاب القرار.
وهو منطق مقبول عندما نضعه في إطار محدود لا يتجاوز الفرد، لكنه منطق قابل للنقاش والنقض عندما تتسع دائرته ليشمل حالة المجتمع بشكل عام ويخرج عن إطار القرار الفردي، لأن مجموع هؤلاء الأفراد يمثل في النهاية شريحة لا يستهان بها من المجتمع الذي نعيش فيه بكل أطيافه وأبعاده ورؤاه التي تشكل اتجاهاته واهتماماته ومدى قربه أو بعده عن قضايا المجتمع الأساسية وهمومه اليومية وحاضره ومستقبله.
لسنا في مجال الحديث عن الفن ودوره وأهميته في حياة الإنسان، ولا نحن في مجال الحديث عن مدى حاجة الإنسان إلى الترفيه والترويح عن النفس والابتعاد قليلا عن منغصات الحياة في عصر يزخر بالكثير منها، ذلك أن التوتر والضغوط النفسية التي يتعرض لها كل فرد تدفعه إلى البحث عن متنفس يحقق من خلاله التوازن المطلوب كي تبحر سفينة الحياة وسط هذه الأمواج المتلاطمة بشكل يحفظ لها توازنها.
ويحافظ لها على خط سيرها فلا تغرق في منتصف الطريق، حتى تصل إلى بر الأمان بأقل قدر من الخسائر النفسية قبل المادية. ولا شك أن الفن واحد من هذه المتنفسات التي تلعب دورا هاما وفاعلا في إحداث هذا التوازن، وبشكل لا يلغي دور بقية المتنفسات التي يجب أن نمنحها هي الأخرى الفرصة كي تقوم بهذا الدور الحيوي في حياة الإنسان، وتسهم في إحداث هذا التوازن الذي نتحدث عنه ولا نختلف جميعا على أهميته.
عند هذه النقطة ربما نكون قد وصلنا إلى بيت القصيد، أو الغرض الذي دفعنا إلى هذا المدخل الذي قد يتفق البعض معنا على أنه مدخل مناسب للحديث، وقد يراه البعض مدخلا خبيثا أردنا التسلل منه إلى قضية يبدو أن الحديث عنها أصبح نوعا من الاجترار الممجوج، أو نفخا في قربة مقطوعة لا فائدة منه حتى لو كانت المناسبة فنانة بحجم شاكيرا وجمهورها الذي هو على استعداد لتكرار تجربة معاناة الوصول إلى «اوتو دروم» في قلب الصحراء والانتظار ساعات كي يحظى برؤيتها والاستماع إليها والرقص معها على أنغام أغنيتها الشهيرة (wherever whenever).
ما حدث في حفل شاكيرا الذي أحيته في دبي الشهر الماضي يدفعنا إلى البحث عن سبب عزوف الجمهور عن النشاطات الجادة التي تقيمها المؤسسات الثقافية والاجتماعية رغم كل التسهيلات التي تقدمها هذه المؤسسات للجمهور من أماكن يسهل الوصول إليها، وقاعات مفتوحة للدخول دون تذاكر، وإغراءات تصل أحيانا حدَّ تقديم مأكولات ومشروبات مجانية للجمهور.
ومع هذا كله تجد العزوف عن حضور هذه الفعاليات ظاهرة عامة تشترك فيها كل الأنشطة التي من هذا النوع إذا ما استثنينا يوم الافتتاح، شريطة أن يكون تحت رعاية وبحضور شخصية هامة من العيار الثقيل، عندها لن تجد لك مكانا، حتى إذا ما انفض سامر حفل الافتتاح عاد الهدوء إلى المكان، واستوطنته السكينة مرة أخرى، وخيم عليه الصمت من جديد.
نعلم أن المقارنة بين حفل تحييه فنانة حتى لو كانت أقل وزنا من شاكيرا ومحاضرة يلقيها كاتب أو أديب حتى لو كان في وزن مواطنها الروائي النوبلي غابرييل غارسيا ماركيز ظالمة، ونعلم أن المتنبي لو بُعث من قبره وأقام أمسية شعرية في أكبر ميادين القاهرة أو دمشق لكان حضور أمسيته أقل من ربع الذين يحضرون حفلا لمغنية من الدرجة العاشرة في أي عاصمة عربية.
لكنّ هذا لا يجعلنا نفقد الأمل تماما في انبعاث جيل يوازن بين الترفيه والتثقيف، وبين متعة النفس ومتعة الفكر، وبين أناقة الحس وأناقة العقل، لأن كلا منهما طرف في معادلة إذا اختل أحد طرفيها اختلت موازين كثيرة في الحياة، وإذا طغى أحدهما على الآخر ظلم الإنسان نفسه ووطنه وأمته، وما لم يمتزجا ليكوّنا لوحة معبرة عن شخصية الإنسان المتسقة روحا وعقلا أصبحت هذه الشخصية غير سويّة لدى كل من ينظر إليها.
شكرا شاكيرا... فقد فتحت لنا آفاقا لإعادة النظر في الكثير من أمور حياتنا، رغم كل ما تكبده المعجبون بك كي يحظوا بليلة يعيشونها معك؛ ليلة لن ينسوها أبدا، ولن ننساها نحن أيضا رغم أننا لم نعشها معهم، ولم نعرف المتعة التي أحسوا بها ربما من المعاناة في الوصول إليك أكثر مما شعروا بها وهم يستمعون إليك، وحظا أوفر لكل من يحسدك على هذه الجماهيرية الكبيرة التي تتمتعين بها.
كاتب إماراتي
aliobaid2000@hotmail.com