قضية البحارة العسكريين البريطانيين الخمسة عشر، الذين تحتجزهم إيران منذ أيام، بدأت تتورم. كل يوم تأخذ شحنة إضافية من التصعيد والتأزيم. التراشق بين لندن وطهران يهدد بإدخالها في طريق شائك، وما يثير القلق المتزايد أن أطرافاً أخرى قد بدأت تدخل على خط المشكلة، من باب تعزيز سياسة المحاور بشأنها، وليس من باب تعزيز دور الوساطة بحثاً عن مخرج دبلوماسي لها.

ويلاحظ في هذا الخصوص عدم وجود أي حضور للوساطة من جانب الأمم المتحدة؛ التي يستحسن الاستعانة بها باعتبارها الطرف المقبول بل الموكل إليه الاضطلاع بمهمة فض الخلافات والنزاعات الدولية. خاصة وأن الأزمة مرشحة لأن تتحول إلى مأزق، فالخطر يكمن في خلفية الحادثة والمعطيات التي تحكم لحظتها الراهنة، وإلا لما كانت أصلاً قد ارتقت إلى مستوى مشكلة، تهدد بأن تكون عود الثقاب.

منسوب الاحتقان السابق لوقوعها، كان عند مستوى مقلق. ارتفع بوتيرة متسارعة، إلى علو ملحوظ ومفتوح على المزيد من الارتفاع.

تقارير أميركية وأوروبية وحتى إقليمية، أشارت صراحة إلى احتمالات وقوع مواجهات عسكرية، بين واشنطن وطهران، حشد الأساطيل في مياه الخليج وحصول مناورات بحرية؛ فضلاً عن إشارات روسية ومنها تسريبات غير اعتيادية؛ كلها صبت في إثارة مثل هذه التوقعات والترجيحات. وكان قد واكب ذلك صدور قانون بزيادة العقوبات على إيران؛ بسبب التخصيب النووي.

رفضت طهران القرار. احتدم الجدل ومعه توالت التلميحات في الكونغرس الأميركي، حول وجود نوايا لدى إدارة الرئيس بوش لتوجيه ضربة جوية للمنشآت النووية الإيرانية، ولابدّ أن هناك معطيات ارتكزت إليها مثل هذه التلميحات، حتى ولو كانت من باب محاولة قطع الطريق على أية مغامرة عسكرية جديدة في المنطقة، إضافة إلى ذلك هناك أدبيات المتشددين في واشنطن، التي تضخّ باتجاه المواجهة مع طهران.

وفي هذا السياق جاء ما نقلته مجلة نيوزويك حول مفاتحة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز؛ وبما يشبه التنبيه والتحذير، للرئيس الإيراني وحثّه على التعامل مع التلويحات العسكرية الأميركية، بصورة جدّية.

وسط هذه الأجواء جاءت حادثة احتجاز البحارة البريطانيين. وهذا ما يفسّر تسارع تلبّد الأفق بالغيوم الداكنة. وبدلاً من تطويقها، إذ راحت القضية تكبر مثل كرة الثلج.خطاب التشدد كان العملة الوحيدة المتداولة. الأمر الذي بدأ يثير الخشية من تحويلها إلى أزمة جديدة في المنطقة.

لاسيما وان الحلحلة لاتزال غائبة، في حين لابدّ وان كلا الطرفين يدرك أهمية الحاجة إلى مثل هذه اللغة التي تشكل خشبة الخلاص. وإذا كانت المساحة لمثل هذا التوجه لاتزال متوفرة، فإن المطلوب التصرف على أساس معالجة الأزمة بشكل هادئ وعاجل يحفظ لكل طرف حقه.