في مشهد أقرب إلى أجواء الأعمال الدرامية، اختفت بين عشية وضحاها صورة السفارة الإسرائيلية في نواكشوط عن مسرح الأحداث الدائرة في كنف التجربة السياسية الموريتانية الحديثة، في أعقاب الانقلاب العسكري الأخير الذي أطاح بالرئيس المعزول معاوية ولد الطايع، مع أنه لهذا الرجل بالذات يعود الفضل في تثبيت أواصر العلاقة بين الجمهورية الموريتانية والدولة العبرية، التي احتفت بافتتاح سفارتها في قلب العاصمة نواكشوط في أكتوبر 1999.
في حين تسيطر مشاعر الغبطة والسرور في نفس المواطن العربي حيال التجربة الديمقراطية الوليدة في بلد عربي اسمه موريتانيا، ويبارك الجميع ما تمكن الشعب الموريتاني وقواه السياسية ومجتمعه المدني من تحقيقه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بغض النظر عن الفائز فيها، وبينما لا تتوقف موجات الإعراب عن رفض الموريتانيين للعلاقة القائمة بين دولتهم والكيان الصهيوني على المستويين الشعبي والسياسي .
واستمرار تلك العلاقة بعد الإطاحة بالرئيس السابق، الذي استند لهذه العلاقة بالذات في إنقاذ نظامه من الانهيار أمام غضب شعبي متزايد أعقب سلسلة من مواقف سياسية واقتصادية حولت حياة الناس إلى جحيم لا يطاق. بينما تشهد الساحة الموريتانية كل تلك الأحداث والمفارقات وغيرها، فإنه من السهل ملاحظة غياب أي جدل سياسي يذكر حول استمرار العلاقة الموريتانية - الإسرائيلية وبقاء سفارة الدولة العبرية شوكة في حلق كل مواطن موريتاني أو عربي لم تطاله مفاسد السياسة والسياسيين.
ويقوم هذا المشهد السياسي الغريب عن قواعد تشذ غالبا عن قواعد وأصول العلوم السياسية والعلاقات الدولية، لما يحمله من تناقضات بين توجهات الناس ومشاعرهم وتشبث الأنظمة على اختلاف أنواعها بمسألة لا تجلب إليها إلا الويلات على الصعيد الداخلي، حيث يتعلق المر بموقف ثابت من قضية سياسية واحدة وطارئة وقوى وأحزاب وأنظمة رغم اختلاف وتعدد مشاربها الفكرية وتوجهاتها السياسية، إلا أنها جميعا تجمع على خطب ود الإسرائيلي وطلب رضاه، حتى لو جاء ذلك على حساب إرهاصات الساحة الداخلية.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا هو: هل لعلاقة الأنظمة السياسية العربية بالدولة العبرية أهمية أكبر من علاقة تلك الأنظمة بشعوبها وقواها السياسية؟ وهل نحن بصدد ممارسة قد ترقى إلى مصاف أطروحة نظرية جديدة في العلوم السياسية تقوم على قلب معادلة المصالح الداخلية والخارجية للدول؟
لو كانت التجربة الموريتانية قيد البحث وحيدة وتحلق خارج السرب الرسمي العربي، لما اقتضت الحاجة لطرح أسئلة من قبيل كهذا، لكن الشارع العربي بات يرزح تحت وطأة حالة متكررة ترقى إلى مستوى الظاهرة لتلك التجربة في غير بلد عربي وخصوصا في كنف تلك البلدان أو السلطات الموقعة على ما يعرف باسم معاهدات سلام مع الكيان الصهيوني والتي لطالما وضعت علاقتها مع هذا الكيان في قمة سلم أولوياتها ومقدساتها القذرة التي لا يجوز، من وجهة نظرها، المساس بها بأي حال من الأحوال وتحت أي ظرف وبصرف النظر عن أي حراك سياسي داخلي وتبعاته المحتملة.
لا نخالنا نأتي بأي جديد حين نقول إن الدولة العبرية المارقة شكلت منذ إنشائها عام 1948، إن لم يكن قبل ذلك التاريخ بسنوات، حسب ما يتم الكشف عنه من وثائق تاريخية في عواصم الاستعمار القديم والحديث على حد سواء شكلت البوابة التي لا مناص من الولوج عبرها إلى عقل وقلب ووجدان وربما جيب السيد القابع في البيت البيضاوي، فبالإضافة إلى الاعتقاد السائد بأنه ما كان للتجربة الديمقراطية المباركة أن تمر لولا قبول رموزها بمواصلة حضانة الجسم الصهيوني الشاذ القابع على أراضيهم، فإن لهذا المد الصهيو- أميركي شواهد عديدة في غير بلد عربي.
حيث يسجل بقاء الكثير من الأنظمة في السلطة رغم عدم أهليتها لذلك ورغم عدم تمثيلها لمصالح الناس، في حين يتم التلويح دائما ببديل إرهابي حاضر بقوة دوما حينما تستدعي الحاجة والذي يتمثل بأغرب ما ابتكره عقل شرير لإنسان، عقيدة «الفوضى البناءة» المعتمدة من قبل صانعي الأنظمة السياسة الحقيقيين في العالم والذين ليسوا هم إلا ممثلين بدورهم للشركات متعددة الجنسية المتعطشة دوما لتحقيق مزيد من الربح حتى لو كان ذلك بالعبور على جثث أبناء الشعوب الأخرى.
bassil@albayan.ae