اختلفت القمة العربية الأخيرة عن سابقاتها في جوانب مهمة. يبدو أنها الأولى التي يعقدها العرب بعد أن عقدوا العزم على التوجه نحو التسوية السلمية بشأن أهم وأعقد قضية في الشرق الأوسط : الصراع العربي الفلسطيني - الإسرائيلي. وبعكس القمم السابقة التي تميزت بخلافات جدية حول مبادرة السلام 2002 أبدى كل القادة العرب الحاضرون قدرا متوقعا من التضامن والتحمل.

وقد سبق هذه القمة تمارين نهائية وجدية حول هذه التسوية. فقبيل انعقادها جاب كل من وزيرة الخارجية الأميركية السيدة ك. رايس والأمين العام للأمم المتحدة ب. كيمون في جولتين متوازيتين شملت كل منهما مصر وفلسطين وإسرائيل والأردن بهدف فتح الطريق أمام المؤتمر الإقليمي للسلام. وقد تزامنت زيارة كيمون مع انعقاد لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر والأردن الذين كانوا يعدون جدول أعمال القمة.

قالت الجامعة العربية انه لن يتم إدخال أية تعديلات على مبادرة 2002 كما تطالب بذلك إسرائيل، لكنه سوف يتم خلق آليات جديدة لتحقيق الإجراءات اللاحقة والتي تسمح لمجموعات العمل بإقناع الدولة العبرية على الاستجابة. إلا أن زير الخارجية الأردني أشار قبيل انعقاد القمة إلى أن مبادرة الرياض يمكن أن تتسع وتتغير بما يستجيب لبعض المطالب الإسرائيلية.

وبالرغم من أن وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل قال في 29 مارس إن بلاده لن تشارك في مؤتمر سلام كبير يضم إسرائيل ما لم تحقق شروط التسوية الشاملة، إلا أن تبادل الإشارات بين الرياض والقدس عن بعد، كما تقول صحيفة لا ستامبا الإيطالية في 27 مارس2007، يشكل خبرا دبلوماسيا جديدا يختلف عن الاتصالات الخفية السابقة. وتخلص إلى أنه يمكن لهذه المتغيرات أن تفضي إلى أول قمة رسمية بين الأمتين، حتى قبل أن تنشأ بينهما علاقات دبلوماسية.

وتشير ذات الصحيفة إلى أن الأساس لكل ما يجري حاليا هو الاتفاق السياسي المبرم في نهاية عام 2006 بين الملك السعودي عبد الله ونائب الرئيس الأميركي ديك تشيني على العمل ما أمكن على استقرار الوضع في لبنان والعلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين والوضع في العراق كي لا يتسنى لإيران استخدام هذه الأزمات من أجل بسط هيمنتها في المنطقة.

لقد استبق رئيس الوزراء الإسرائيلي إ. أولمرت القمة العربية بالحديث عن استعداده للمشاركة في المؤتمر الإقليمي للسلام. وأكثر من ذلك عبر عن استعداده للقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس. وفي مقابلة مع مجلة تايم الأميركية أثناء انعقاد القمة العربية قال بأنه يدرس المبادرة السعودية بعناية، وأنها تشكل نموذج أفكار ينال إعجابه، رغم أن هناك بعض ما لا يفهمه. وأنه لو التقى بالقائد السعودي فسيدهشه بما سيقوله له.

أما ما الذي سيدهش جلالة الملك : إذا قرأ ذلك في التايم فلن يندهش أثناء اللقاء - قال أولمرت. ولم يخف في هذه المقابلة أنه لا يستثني انسحابا من الضفة الغربية، لكنه استبعد عودة لاجئي 1948. وبعد انعقاد القمة نقلت قناة الجزيرة القطرية وصف أولمرت لإعلان الرياض بأنه يترجم تغيرا ثوريا لمفهوم العالم لدى البلدان العربية.

كل ذلك يبين أن إمكانيات أكثر عملية أصبحت مفتوحة أمام تسوية كبيرة قادمة للنزاع العربي (الفلسطيني) الإسرائيلي يسمح فيه الحضور العربي الرسمي الكبير بالتغلب على اعتراضات حماس الدائمة على الحلول السلمية. بل، ولربما شكل ذلك مخرجا لحماس ولغيرها من قوى التشدد قبولا بما يجمع عليه العرب.

صحيح أن استمرار الصراع العربي الإسرائيلي على ما هو عليه يهدد استقرار المنطقة ويستنزف طاقاتها. لكن الصحيح أيضا أن كثيرا من معطيات الوضع الراهن في المنطقة يشير إلى مصادر قوة يمكن للقادة العرب استخدامها في تعزيز وضع الأمة في عملية التسوية الشاملة.

في مقدمة هذه الأمور هو الترجمة العملية لدعوات تقوية الجبهات الداخلية بالاستجابة للنداء الذي وجهته 36 منظمة من منظمات المجتمع المدني في 11 دولة عربية قبيل القمة بوضع برامج واضحة المعالم ومربوطة بتوقيتات زمنية محددة تضمن إنجازا حقيقيا لبرامج شاملة للإصلاح الدستوري والتشريعي، وتجديد الخطاب الديني ونشر ثقافة الديمقراطية، وتضع حدا لظواهر الإفلات من العقاب على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

لقد أصبح ميزان القوى السياسية الراهن في الولايات المتحدة نفسها يضيق قدرة المناورة أمام الإدارة الأميركية الحالية ويعطي الإمكانية لتخفيف الضغط على الدول العربية. فرئيسة الكونغرس الأميركي ستصل إلى دمشق غدا ليس من أجل فك العزلة عن هذا البلد، بل ولإعادة الاعتبار للدور السوري في معادلة الشرق الأوسط، وخصوصا القضايا الفلسطينية واللبنانية والعراقية.

إن قرار الكونغرس بغرفتيه باشتراط تمويل القوات الأميركية في العراق وأفغانستان بسحب القوات من العراق قبل سبتمبر 2008 لن يكون ذا أثر فعال على الإدارة الأميركية ما لم تمتنع دول المنطقة عن تمويل أية عمليات عسكرية عدوانية قد تقدم عليها الولايات المتحدة في المنطقة وخصوصا في حرب محتملة ضد إيران.

وهنا فرصة أن يستطيع العرب مساعدة إخوتهم العراقيين جديا على اجتياز محنة الانقسام والاقتتال الطائفي بدعم سيادته والحد من التدخلات الخارجية في شؤونه وإنقاذ ثروته النفطية من مشروع قانون النفط الجديد الذي اشترط الكونغرس، فيما اشترط، الإسراع في إقراره ليعمم على بقية دول المنطقة المنتجة للنفط.

ومن مصادر القوة أن يرتبط السعي لإقرار السلام وإنهاء الحرب الأهلية التي أودت بحياة أكثر من 200 ألف وهجرت أكثر من مليوني شخص في دارفور بالإعداد لتوجه الاستثمارات الخليجية نحو هذه المنطقة التي تزخر بأكبر مكامن للنفط في شمال غربي السودان والأكثر واعدة في أفريقيا .

والتي تشتد حمى المنافسة بين الولايات المتحدة والدول الأخرى للوصول إليها عن طريق تأجيج الصراع هناك. إن لدى بلدان الخليج من فوائض العوائد النفطية ما يسمح بالاستثمارات المطلوبة في كل من العراق والسودان والصومال ومساعدتها على جعل ثوراتها الباطنية مصدر تعزيز لسيادتها الوطنية وتنميتها الاقتصادية الاجتماعية.

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com