هكذا تقول القاعدة التي يتذكرها أصحاب القرار عند إدارة شؤون أوطانهم، فالإدارة الحسنة هي تلك التي تستمع وتناقش وتحاور وبعدها تتخذ القرار الحاسم الذي لا بد أن يوفر الحسم والحزم مع وضع المصلحة العليا فوق كل اعتبار. ومن يتمعن في تاريخ الكويت يقف عند محطات في مسيرة الكويت السياسية تسيدها العقل والانفتاح خاصة وقت الشدة وفي الأزمات.
كان أهل الكويت مبادرين في مناقشة الشيخ مبارك الصباح عندما أراد وقف الغوص من أجل الاستفادة من الطاقة البشرية في جولاته العسكرية، وتدارسوا أوضاع البلد مع حاكمها بانفتاح وصراحة تسيدها الحرص على المصلحة العامة، واستمع الحاكم إلى هموم أهل الكويت بكل ترحاب. وكان قرار استئناف رحلات الغوص.
كانت مشاورات أهل الكويت مع الشيخ سالم المبارك متواصلة وكثيفة فرغم قصر فترة حكمه إلا أنها شهدت خلافات وصدامات انفجرت في أكتوبر 1920 في الجهرة، ذهبت جماعة من أهل الكويت إلى الشيخ سالم تتشاور معه حول حماية الكويت من هجمات الإخوان التي أدت إلى بناء السور في 1920، بعد حادثة «حمض» .
واستمر الحوار حول العلاقات مع سلطان نجد عبدالعزيز بن سعود، وحول دور بريطانيا في طرد الإخوان بعد معركة الجهرة، وشروط زعيمهم فيصل الدويش، وبعد ذلك حوار السياسة الذي طالب فيه أهل الكويت تشكيل مجلس شورى يساعد الحاكم في المشورة والرأي، وموافقة الشيخ سالم لكن القدر لم يمهله، ومع الشيخ أحمد جاء أول مجلس شورى في تاريخ الكويت.من هذا التواصل خرجت الكويت من أحداث العشرينات أكثر صلابة وأكثر التحاماً، لأن المحرك الأكبر لهذا التواصل هو الحرص على مصلحة الكويت ووضعها فوق كل الاعتبارات.
منذ الاستقلال حتى هذا اليوم، لم تهدأ الكويت في مسيرتها السياسية وطغى التوتر والتأزيم على أجوائها، وصارت استقالة الحكومة وتدويرها أو تبديلها حالة عادية، لكنها جمدت خطوات التنمية والتطور وتراجعت المسيرة الإصلاحية وتكلست الإدارة البيروقراطية وتسلل إلى جسم الكويت الضجر والقلق.
وبالأمس القريب استقالت الحكومة بعد استجواب وزير الصحة، قدرت القيادة ـ من خلال قراءتها ـ ترجيح الاستقالة بدلاً من المواجهة، وفتح قرار الاستقالة الباب للاجتهادات، بحثاً عن مسببات الأزمة الدائمة في حياة الكويت. وهناك تباينات في الاجتهادات، واختلافات حول أفضل العلاجات..
أولاً: ينسب البعض هذه الأزمة الدائمة إلى تآكل جوهر الدستور في فصل السلطات وتطاول البرلمان على حقوق الحكومة، مع دعوة إلى التشخيص الصحيح للأسباب التي جعلت الوزراء أسرى لأهواء النواب وطلباتهم غير القانونية، وأن طريق العلاج يبدأ في النظر بجدية إلى واقع الدستور الذي لا يحمي الوزراء ولا يوفر لهم غطاء الأغلبية النيابية، ويتركهم يعانون من التعسف والمزايدات.
ويعود ذلك كله إلى أن الدستور يعطي النواب حقوق المساءلة المفتوحة التي ضعفت قواعدها مع استطعام الممارسة، ولذلك فإن الوقفة المطلوبة هي النقاش الصريح مع القيادة من أجل استنشاط روح الدستور وإعادة فعاليتها، مع البحث عن وسائل أخرى توفر للحكومة الأغلبية المطلوبة مثل إدخال الكتل السياسية في الممارسة التنفيذية بدلاً من الاستمتاع في التمادي في خشونة المعارضة.
ومنها النظر في جدية الأحزاب بما فيها احتمالات إشهار حزب السلطة، والمهم هنا جدية البحث عن المخارج التي تضع نهاية للمأزق السياسي المستمر، ولن يتحقق ذلك دون حوار وطني تتولاه القيادة مع القيادات وتشارك فيه التموجات السياسية وبشكل واضح وصريح، وكما أشرت فإن التواصل هو أبرز مظاهر قوة الجبهة الداخلية الكويتية.
ثانياً: تتعثر الديمقراطية عندما تمارسها الدول بشكل انتقائي، فلا توجد انتقائية في العمل السياسي الديمقراطي، فحرية الصحافة والتعبير والانتخابات جزء هام لكن الأهم هو نظام الأغلبية في البرلمان الذي يصون الحكومة ويحميها ويعطيها الحق النيابي في تمرير المقترحات والقوانين والمراسم، ويمكنها من تجاوز آفة الاستجواب ويعطي الوزراء القوة البرلمانية بذراع دستورية لا يمكن الطعن فيه.
هل معقول أن يعرض نائب أو أكثر الكويت إلى أزمة لأنه يريد تصفية حسابات مع وزير لا يرضخ لطلباته غير القانونية؟، وهل معقول أن يستقيل الوزراء لأن بعض النواب يريدون التخلص من وزير أو أكثر؟، فوجدوا في الاستجوابات وسيلة لدفع الحكومة للاستقالة والتخلص من الوزير.
القاعدة في الديمقراطية هي حكومة تساندها أغلبية برلمانية ودون ذلك تسقط الحكومات بدون إنجازات كما نرى في واقع إيطاليا، وإذا كانت الحكومة في الكويت دون رفيق كما يقول بعض الملاحظين، فحتى حل المجلس الحالي مع إجراء انتخابات على أساس خمس دوائر لن يبدل الأوضاع، وهنا نعود إلى جوهر المشكلة وهي ضرورة إيجاد أغلبية للحكومة البرلمانية.
ثالثاً: نعترف بأن الدعوة لمراجعة الدستور ستثير الكثير من اللغط والمعارضة، لأن المستفيدين من الوضع الحالي هم نواب الخدمات والمخالفات، الذين يضايقون الوزراء في مكاتبهم، والذين ساهموا مساهمة كبيرة في انهيار النظام الإداري الكويتي الذي لا يعمل ويخاف ويسرب الأوراق وأكثر من ذلك يستقوي بنواب المخالفات. وهنا لابد أن يصدر رئيس الوزراء قرارات واضحة لحماية النظام الإداري ورفض التوسط والتصريح العلني القوي المستمر بالالتزام بالقانون الذي يجب أن يطبق على الجميع.
يردد عدد من النواب مطالبين بإبعاد وزراء التأزيم، دون تحديد هوية ومعنى التأزيم الذي صار في الكويت «هو الوزير الرافض للوساطات» والمدافع عن القانون، وعندما نتحدث عن وزراء التأزيم لابد من الإشارة إلى نواب التأزيم الذين يضعون مصالحهم ومصالح قبيلتهم وجماعتهم فوق مصالح الكويت، ويمارسون الفزعة القبلية سواء في وظائف الدولة أو في الوصول إلى الامتيازات.
تحدثنا كثيراً في السابق عن لائحة السلوكيات التي يجب أن تخرج من المجلس والتي يلتزم بها النواب في الابتعاد عن الانقضاض على القانون والحفاظ على احترام وهيبة العضوية البرلمانية وتفويض مكتب الرئاسة للإشراف على تطبيق اللائحة، وشاهدنا الكثير من حالات غير مريحة لنواب حاليين أو سابقين أو طامحين يطرقون الأبواب لتمرير معاملات من أجل بناء قاعدة راضية ومؤيدة تحافظ على استمرار عضوية النائب، كل ذلك على حساب الوطن ومصالح الكويت.
ويبقى موضوع التشكيك في ذمة الذين يطالبون بجدية دراسة إفرازات الدستور، فمن حق من يريد أن يدعو إلى مراجعة الدستور أن يمارس ما يريد من هذا الحق، فلا حظر على الرأي والدستور الكويتي ناقص، ويحتاج إلى اكتمال أبوابه وبنوده، وأبرزها آلية توفير الأغلبية للحكومة سواء عن طريق الأحزاب أو الائتلاف أو تشكيل حزب للسلطة مثل بقية التجمعات، ودراسة إمكانية الاستفادة من تجارب الآخرين مثل الأردن ومصر، التي حكمها حزب يحتكر كل شيء، مع وجود تجمعات سياسية أخرى هامشية، والمهم هنا الخروج من مأزق كويتي دائم.وننتظر مسيرة الأحداث وتموجاتها.
كاتب كويتي
Abdullah_bishara@yahoo.com