لا يمكن أن يكون المجلس النيابي سلطة فوق السلطات، أو أن يكون أعضاؤه فوق المساءلة بل والملاحقة الجماهيرية في مواقفهم ومغانمهم. ولا يمكن للمجلس أن يتجاوز أحد أهم مصادر شرعية السلطة بمفهومها العام: وهو المجتمع المدني. فالشرعية السياسية لأي سلطة سياسية في الديمقراطيات المتقدمة يمثل المجتمع المدني بمنظماته وجماعاته أحد أهم ولربما أقوى مصادرها.
وكلنا يعرف، والمتابعون فقط من أعضاء السلطة التشريعية يعرفون كذلك، أن الكثير من السلطات قد فقدت شرعيتها عندما امتنعت منظمات المجتمع المدني عن دعمها أو انقلبت عليها. ورغم الخصوصية المحلية للتجربة الديمقراطية المحلية، فإن المجتمع المدني بمنظماته وجماعاته يبقى يمثل أحد أهم القوى التي عملت وناضلت من أجل قدر من الديمقراطية وإن تمتع بمغانمها جل نوابنا الأفاضل.
وأجزم ولربما يجزم معي الكثيرون أن من يوظف هذا المصطلح والمفهوم من بعض أعضاء المجلس قد يجهله ولربما يجهل معه تلك التحولات التاريخية التي جاءت عليه حتى استقر في إطاره المعاصر. من هنا فإن ذلك التصريح الذي أطلقه أحد رموز كتلة الوفاق والكيثر من أسئلتها «منتقداً مؤسسات المجتمع المدني التي استنكرت على النواب ممارسة حقوقهم.... معتبرا أنه لا يحق لتلك المؤسسات مصادرة حق النواب»!!؟.
.(جريدة الوقت 22/3/2007) إنما يمثل في أصله إحدى المحاولات الحثيثة والدؤوبة لبعض النواب والكتل في بعضها أو جلها تجاوز حق المجتمع المدني ومنظماته في الاعتراض والرفض وتبني المواقف ولربما التأثير عليها، وهو حق مشروع كفله الدستور واللوائح والاتفاقيات الدولية والأعراف.
وحجبهُ عنها بعنوةٍ مجلسا كان يفترض أن يكون في جله ممثلا للأمة بكل تلاوينها وتنوعها وأرائها، فجاء موقفهم مناقضا وبشكل صارخ للديمقراطية كممارسة ومفهوم. بل ان أداء بعضهم وموقفه من الثقافة وزيادة الموقف المتشدد منها ومن الصحافة قد كان في بعضه سلوكا مكابرا « أخذته العزة فجاء سلوكه مخطئا» .
ولن أقول بالإثم. وتؤكد تجربة الكثير من الديمقراطيات العريقة والكاملة، أن الديمقراطية لا يمكن أن تختطف بأي حال من الأحوال من قبل أكثرية برلمانية فرضت المعطيات والظروف أكثريتها. ويمكن القول هنا أنه إذا ما كانت التنظيمات السياسية قابلة في بعضها على تقديم تنازلات سياسية معينة مقابل بعض المكاسب الوقتية أو الآنية، فإن منظمات المجتمع المدني تبدو في مواقفها من قضايا الحريات والتعددية وحقوق الإنسان ذات مواقف أرسخ ومبادئية.
وليس سرا القول أن تعاطي السلطة التنفيذية مع منظمات المجتمع المدني بدا مبديا قدرا من المرونة في القبول بها وفي الأخذ بمرئياتها ولربما أحيانا الأخذ بمواقفها في أكثر من حالة وموقع، في حين بدا المجلس التشريعي في فصله السابق وبعض أو جل مناقشات فصله التشريعي الحالي، عن رغبة جامحة في فرض رؤاهم المتشددة على حركة هذه المنظمات وقطاعاتها الفاعلة في المجتمع.
وقد افهم خصام حركتي الأخوان المسلمين والسلف وتشددهما مع منظمات المجتمع المدني والتي تحمل في طياتها رواسب تاريخية في جانب منها واعتبار أو اتهام بعض من أطراف هاتين الحركتين لأطراف من المجتمع المدني بكونها تمثل فسطاط شر وإلحاد مقابل فسطاط خير وإيمان والذي هي منه.
إلا أنني بالطبع لا أفهم هذا الموقف المتشدد من منظمة الوفاق الإسلامية والغير مبرر بأي حال من الأحوال إلا بكونه موقفا فوقيا وجب عليها تبنيه. وقد أفقد هذا الموقف الوفاق ليس فحسب تعاطف قوى وجماعات سياسية وثقافية ومهنية محلية وإنما بدا موقفها الأخير دافعا بعض الأوساط الدولية المعنية بقضايا الدمقرطة وحقوق الإنسان في أن تعيد تصنيفها من حركة ديمقراطية داعمة ومناضلة لمزيد من الدمقرطة، لحركة وعظية غير قابلة بالتنوع والتعدد تحت مبررات الدين والأخلاق، وهو التصنيف الذي تدخلت فيه الحركتتن السابقتتن.
و إذا ما قَدَرت الظروف والمتغيرات المكشوفة واللا معروفة في أن تمسك المنظمات الاسلاموية بضفتيها بمفاصل المجلس، وأن تمثل الغالبية العظمى من نوابه، فإن عليها كذلك احترام حقوق القوى والجماعات الأخرى الفاعلة والمؤثرة في المجتمع.
وإذا ما كانت القوى الاسلاموية باكتساحها للمجلس قد مثلت حالة جماهيرية، فإن هذا الأمر لا ينفي عن الجماعات والقوى الأخرى حقيقة أنها تمثل حالة سياسية وفكرية مؤثرة في المجتمع. وقد أثبتت خبرة المجالس البرلمانية العربية ذات الديمقراطيات اللا ليبرالية في الأردن والكويت ولربما المغرب واليمن وغيرها أن القوى الاسلاموية توظف سيطرتها أو تمكنها من الوصول لهذه المجالس في فرض أجندتها الخاصة على الفرد والمجتمع بعيدا عن أي اعتبارات أخرى.
ومع ذلك فمن الممكن القول ان الوفاق قد بدت في مواقفها الأخيرة مدفوعة برغبة في بناء تحالفاتها الجديدة مع المنظمات الاسلاموية المتخاصمة معها في المرحلة السابقة ومع التضامنيات التي تشاركها الآن سكنى قبة البرلمان. وهو أمر قد أجده براعة من القوى الاسلاموية الأخرى في إشراك الجماعة الوفاقية في تحالفات على بنود قد لا تمثل بالنسبة لها، أي الوفاق أولوية وفق ما تقول، وإن كانت بالنسبة للقوى الاسلاموية الوعظية الأخرى:
الأخوان والسلف والتضامنيات يمثل قمة أولوياتها، وهو يعتبر دون شك نصرا واختراقا كبيرا لها. من حيث كونه أمرا قد أعاد جدولة أولويات الوفاق في داخل البرلمان من ناحية وأضر بتحالفاتها السابقة، ولربما ساهم في انقطاعها عن حلفائها السابقين من ناحية أخرى. وقد بدت البراعة الإخوانية(نسبة للإخوان المسلمين ) والسلف واضحة في جر الوفاق لفخ لجنة التحقيق في ربيع الثقافة.
ففي حين إن المقترح في أصله سلفي-أخواني إلا أن تبني عمائم الوفاق وأفنديتها لذلك، جعل من الهجوم المضاد على نواب المجلس ينصب في جله على رؤوس الداخلين الجدد في اللعبة البرلمانية من الوفاقيين وليس على غيرهم، والذي في بعضه قد يؤكد حقيقة أن قدراتهم التعبوية في الشارع وعلى المنابر لا تبدو قادرة على إسعافهم في تحسس خطواتهم ومواقعهم تحت قبة البرلمان.
تماما كما كانت الشرارة الأولى الرافضة لحفل المطربة اللبنانية المعروفة نانسي عجرم قبل بضع سنوات سلفية الأصل والمصدر، إلا أن أعمال الشغب والرفض على الشارع قد جاءت من جماهير اعتبرها البعض بشكل أو بآخر وفاقية، وتماما كذلك كان الموقف من مقترح قانون الحشمة في الجامعة الذي كان مصدره في الأصل أكثر عناصر السلف في المجلس تشددا، إلا أن القطاع الطلابي المحسوب على الوفاق قد كان الأسبق في الدعوة والتجمع لتطبيقه وليس التنظيمات الطلابية لجماعتي الإخوان والسلف.
وأعتقد أن غلبة الطبيعة الوعظية العامة لجماعة الوفاق البرلمانية، ولربما توجيهات وتوجهات قياداتها ومرجعياتها التي في صلبها وعظية، قد أدخلهم في تحالفات جديدة، قائمة أو دافعة نحو تحقيق التديين القسري للمجتمع، معيدا بالتالي تشكيل سلم أولوياتها البرلمانية:
من لعب دور تشريعي إلى لعب دور الواعظ والحافظ الأخلاقي على المجتمع وهو أضعف الإيمان. فأي جماعة سياسية لأسباب ذاتية في هياكلها القائمة أو في رموز وشخوص قياداتها البارزة، ونتيجة لضعف في الرؤى والإمكانيات أو نتيجة لضيق الفضاءات المتاحة، فإنها تلجأ نحو تبني البنود الهامشية في أجندتها. وهو أمر تنطبق عليه قصة صاحب الحمار الذي لم يقو على الحمار فصب جم غضبه على «عدته».
ويبقى المعضل الرئيسي لبعض إن لم يكن جل أعضاء المجلس، هو أن المقاعد التي احتلوها والأبواب التي فتحت لهم أو لبعضهم والتقاطر الإعلامي عليهم، حتى أن صور بعضهم باتت لا تفارق صفحات الجرائد عابسين برهة و«مكشرين» في واحدة ومبتسمين ابتساماتهم الصفراء والمصطنعة ولربما الحقيقة في أخرى.
كل ذلك يعطي بعضهم أو جلهم شعورا بالقوة اللا محدودة أو في بعضها القوة المنفلتة، بل وفي بعضها الآخر كذلك قوة «معاندة» راكبة للخطأ كاسرة للحق والعرف. كما ويبقى المعضل كذلك، في شعور بعض أو جل هؤلاء وهو شعور عكسته ممارساتهم على أرض الواقع، معضدة منه قوة المرجعيات والتضامنيات والتعاضديات التي استند إليها بعضهم في الوصول لقبة البرلمان.
وهم في واقع أمرهم أقرب إلى تمثيل تنظيماتهم السياسية الاسلاموية التي جاءت بهم إلى المقاعد الوفيرة والمغانم الجمة. وكلنا يعرف مداخل استثاراتهم للعامة والمجتمع والقائمة أما على التوظيف السياسي للدين: كفر مقابل إيمان أو التوظيف التعاضدي للدين أو بالأحرى التوظيف الطائفي للدين: سنة مقابل شيعة، أو توظيف اثني عرقي قائم على التعاضديات القبلية والعرقية: عرب مقابل عجم أو أعاجم أو أصايل مقابل بياسر كما هي في عرف التراتب القبلي الكويتي.
انه في الحقيقة معضل لا يمكن تجاوزه بالتوظيف السياسي أو المؤقت للدين والأخلاق والأعراف، كما لا يمكن تجاوزه باعتبار النائب سلطة غير قابلة للمساءلة أو المراقبة. ومع ذلك فإن المجتمع المدني، يبقى يمثل أحد أهم مصادر التأثير ليس فقط في مساءلة النواب عن أدائهم ومواقفهم، وإنما كأحد أهم مصادر حماية الديمقراطية بكونها حقا لكل الناس وللثقافة بكونها فضاء انسانيا لا يعاش بغيرها.
كاتب بحريني