لماذا تحصر جمعيات حقوق الإنسان العالمية اهتمامها في انتهاكات الحقوق السياسية كالحق في حرية التعبير وحرية التنظيم وحق الفرد في محاكمة عادلة إذا اعتقلته سلطات الأمن وحق الحماية من التعذيب؟

أكبر منظمتين غربيتين لحقوق الإنسان تمارسان نشاطهما على نطاق عالمي هما «منظمة العفو الدولية» الأوروبية ومنظمة «هيومان رايتس ووتش» الأميركية (وترجمتها الحرفية «مراقبة حقوق الإنسان»).

كلتا المنظمتين تتعرضان الآن لحملة في العواصم الغربية من جماعات مناهضة العولمة لتجاهلهما ما يطلق عليه «حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية» كالحق في العمل والحق في التعليم والحق في العلاج. وهو انتقاد لا يخلو من رؤية ايديولوجية لهذه الجماعات تتعارض مع الفلسفة المعتمدة لدى «العفو الدولية» و«ووتش» وأضرابهما.

هذه العقيدة الفلسفية مفادها أن حقوق الإنسان السياسية حقوق أساسية، وما عداها حقوق ثانوية، أو حتى لا ترقى إلى مستوى حقوق، بينما ترى جماعات مناهضة العولمة العكس تماماً، فحقوق العمل والتعليم والعلاج بحد أدنى هي الأساس.

ومن الواضح أن منظمات حقوق الإنسان الغربية تتبنى الرؤية الرأسمالية التي يجسدها مبدأ «اقتصاد السوق الحر» وعليه فإنها ترى أن عدم حصول الفرد على عمل أو على تعليم محترم وفرص علاج مناسب لأطفاله مرده الفشل الشخصي لذلك الفرد في التنافس في سوق العمل، فلا يتوفر له بالتالي دخل ملائم لمقابلة التزاماته الأساسية نحو أطفاله.

جماعات مناهضة العولمة ترى من ناحية أخرى أنه لا قيمة لتمتع الفرد في مجتمعات العالم الثالث بحريات التعبير والتنظيم والتصويت عبر صناديق الاقتراع في نظام ديمقراطي ليبرالي تعددي إذا كان هذا النظام لا يوفر له الحد الأدنى المحترم من الدخل وفرص التعليم الجيد والعلاج.

وتبدو المسألة في إجمالها وكأن القضيتين منفصلتان مع أنهما مرتبطتان عضوياً بمعادلة السبب والنتيجة. هذا ما ينطق به الواقع المرئي في مجتمعات العالم الثالث. فالشرائح الطبقية التي تتعرض للقهر السياسي في هذه المجتمعات والاعتقال التعسفي دون محاكمة عادلة والتعذيب داخل السجون هي نفسها التي تتفشى بين صفوفها البطالة والأمية والمرض.

انظر في المسألة من الناحية الاقتصادية: في دول العالم الثالث تستأثر الأجهزة الأمنية بالقسط الأكبر من الميزانية العامة على حساب بند التعليم وبند الصحة، وهذا ما يفسر انهيار مستويات المدارس والجامعات والمستشفيات الحكومية بينما تتمتع الأجهزة الأمنية بأعلى مستويات الكفاءة التشغيلية من عناصر بشرية وتجهيزات خدمية بما في ذلك معدات التكنولوجيا المتقدمة. فهي أجهزة ينفق عليها بغير حساب.

وعندما تتصدى منظمات حقوق الإنسان الغربية للانتهاكات الحكومية في العالم الثالث في مجالات القمع والاعتقال والتعذيب فإنها تستهدف النتيجة مع تجاهل السبب الجذري.

وعلى هذا النحو لا تختلف هذه المنظمات جوهرياً عن «صندوق النقد الدولي» الذي يفرض على حكومات العالم الثالث إلغاء الدعم السعري للسلع الضرورية الاستهلاكية لكنه يتجاهل الاعتمادات المالية الأسطورية المخصصة للأجهزة الأمنية لأنها أجهزة تسند أنظمة حكم موالية للغرب.