لا نستطيع الخروج عن أجواء القمة العربية، لأنها أثارت الداخل العربي، والخارج الدولي، فلأول مرة نسمع من يحاسب نفسه، والآخرين على التقصير بالشأن العربي، ويعتبر القضية الفلسطينية في القائمة التي تسبق أي حالة اخرى، وحين يرى في احتلال العراق أمراً غير مشروع حيث قاد إلى حرب أهلية بين الطوائف وفتح المجال للتدخلات الأخرى، فإنه يريد أن يُسمع صوته لدولة عظمى صديقة اعتادت أن تقول، وتصدر القرارات بما فيها تخطي النظم الدولية بشن الحروب، ونعتقد أن أميركا لابد أن تعتبر من يصارحها هو الأقرب للصدق، وإلا كيف يوجه الملك عبدالله نفس النصيحة للإيرانيين بعدم الاستهانة بالمواقف الأميركية، ولم يجعل من صداقاته عناوين لترضية حليف ما وإغضاب نصف صديق، بل تعامل مع ما يجري بالمنطقة بالصدق الشامل والواضح، وهذا ما جعل قمة الرياض تأخذ أبعادها الإقليمية والدولية، وتثير هذا الجدل الكبير في مختلف الأوساط.
المملكة دولة عمق عربي وإسلامي، وطالما ترى أن دورها يرتكز على فك جميع التحفظات عن الأمن العربي، وأنه لا أولويات لنشر الديمقراطيات في ظل احتلال في العراق وفلسطين وتدخلات في دول أخرى، وتحريض على خلق فوضى في السودان، أو طرح الإعلان عن مشروع خارج الواقع لشرق أوسط كبير، وأن في العرب من هو معتدل، وآخر متطرف، فإن هذه المواضيع تقع ضمن تصنيفات تجيزها أميركا، ولا يقبلها كل العرب.
مصلحتنا مع أميركا كبيرة ولا يمكن الاستغناء عنها، لكن من أدبيات العلاقات بين الأصدقاء أن تكون النوافذ مفتوحة، بدون حساسيات، فليس من المنطقي أن تتجاوز إسرائيل كل الأعراف والحقوق ونجد من يدافع عنها بالعلن ويبرر أفعالها بتقديم المعونات المادية والعسكرية، واتخاذ خطط التشدد لكل ما هو عربي، أو إسلامي، ثم إننا التقينا مع كل العالم بما في ذلك أميركا في وقف العنف وبدرجة كبيرة مكافحة الإرهاب أياً كانت أيدلوجيته أو ملّته، وحاولنا أن نحافظ على جعل كل الخطوط سالكة، ولذلك ليس من المنطقي أن نحاسب على اخطاء غيرنا مثل المجازفة باحتلال العراق وإهمال القضية الفلسطينية والتغاضي عن أفغانستان التي ظلت المنبت للإرهاب، ثم نأتي للقبول بمجازفات اخرى في السودان وإيران وغيرهما.
لقد دفعت المملكة أثماناً كبيرة في تقاربها مع الغرب أثناء القطبية الثنائية وكانت ميداناً لهجوم شرس إعلامي وتآمري من كل الأطراف، واستطاعت أن تثبت للعالم سلامة نهجها وحتى صدمة 11سبتمبر التي كادت أن تطيح بكل شيء كان لتفهم الطرفين الأميركي والسعودي ما عالج المشكلة وتجاوزها، ونحن في إطار هذه الصداقة نريد أن يكون العرب والعالم الإسلامي على تقارب دائم مع أميركا وغيرها، ونجاح القمة العربية في الرياض وفر أكثر من غطاء للسلام وحل قضية دارفور والصومال، ومعالجة أزمة لبنان وحتى إيران، وهذا يصب في مصلحة أميركا المتداخلة موضوعياً في مختلف شؤون المنطقة، بل إن جهود المملكة خففت عليها الكثير من الأعباء وهذا جزء من مفهوم صداقة دائمة لا خلافات ناشئة.