حكت لي سيدة فرنسية هذه الحكاية ـ المعاناة ـ كما تصفها ـ قائلة: «ذهبت منذ مدة لمعاينة إحدى دور الحضانة بمنطقة (......) في دبي، وقد عرفت هذه الدار عن طريق الإنترنت، فقد كنت ومازلت حريصة على إلحاق طفلتي بدار حضانة عربية، لأنني متزوجة من رجل إماراتي، لذا أجد أنه من الواجب أن تتعرف هذه الطفلة على تفاصيل مجتمعها ولغة أهلها منذ نعومة أظفارها. وبما أنني لا أعرف العربية، ووالدها مشغول بعمله، فدار الحضانة مكان مناسب تقضي فيه بضع ساعات تتعلم باللهو واللعب مع الصغار، لكنني حين دخلت هذه الحضانة صدمت ومازلت مصدومة حتى الآن».
عن سبب صدمتها تقول «أولاً لأن نتيجة البحث عن حضانة يديرها ويعمل فيها عرب قادتني إلى هذه الحضانة الوحيدة، ثانياً، فإن الحالة المزرية والتي يرثى لها لهذه الحضانة جعلتني أتساءل كيف تسمح الجهات المعنية في دبي بترخيص واستمرار مثل هذه الحضانة التي لا يتوافر فيها أي مستوى من النظافة أو الرعاية أو الاهتمام، أو حتى أدنى الشروط والمواصفات الفنية والهندسية في الدار، إنها كارثة، هذا هو الوصف الوحيد لها، وأما العاملات وطريقة تعاملهن مع الصغار، وأما الصغار وحالتهم البائسة فحدث ولا حرج!».
لنشد أولاً على يد هذه السيدة التي مازالت مؤمنة بحزمة من القيم الثقافية حول ضرورة إتقان الطفل لغة أهله منذ نعومة أظفاره، وإصرارها على البحث عن المكان المناسب بنفسها، وذهابها للتأكد من كل ذلك، ولنشد على يد كل أم تحرص على هذه القيم، لكننا نتساءل في الوقت نفسه:
هل صحيح لا يوجد في دبي دور حضانة عربية تتمتع بمواصفات وشروط صحية وسليمة؟ وإذا كان الجواب إيجاباً فلماذا؟ ولماذا تحرص زوجة وأم فرنسية على تلقين طفلتها أبجديات الثقافة واللغة العربية لأنها لغة وثقافة والد الطفلة، بينما لا تحرص كثير من الأسر العربية على الأمر نفسه؟
لقد ذهبت نفس السيدة لمعاينة دور حضانة أوروبية، فوجدت النظافة، والمستوى العالي، والشروط الصحية والمهنية والفنية والهندسية متوافرة جميعها، إذن فلماذا هذه المفارقة؟ وهنا نعود لاقتراح الأخ «ناصر نوراني» الذي بعث لنا برسالة يقترح فيها أن تبادر الحكومة إلى تأسيس دور حضانة رسمية تتبع مؤسسة أو هيئة اجتماعية من مؤسسات الدولة، تتوافر فيها كافة الشروط العلمية والمهنية والهندسية لهذا النوع من المنشآت الخاصة بالطفولة.
بحيث يعهد بالعمل فيها إدارة ورعاية ومتابعة لخريجات إماراتيات، يتولين رعاية أطفال السيدات الإماراتيات العاملات سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، ما يوفر على هؤلاء السيدات مشقة البحث وعناء التفكير والقلق، وما يغلق الباب أمام المتاجرين بصحة أطفالنا ممن يتخذون من دور الحضانة تجارة رابحة دون أن يتمتعوا بأي قدرات على القيام بشروط هذا النوع من المؤسسات المهمة والخطيرة معاً.
لقد ذكرت لي هذه السيدة بأن كثيرا من صديقاتها يردن إلحاق أطفالهن بدور حضانة عربية بشرط أن تكون مواصفاتها جيدة، وبيئة الحياة واللعب فيها مستوفية للمواصفات الصحية الآمنة.
إن كثيرا من السيدات العاملات يعانين هذه الأزمة كل صباح يتأهبن فيه للذهاب للعمل، خاصة حين لا تكون الخادمة مؤتمنة على الطفل، ومن المتعذر إيداع الطفل لدى أحد الأقرباء مثلا، وسط زحام المرور، وهواجس التربية، وتحديات بيئة العمل، وغلاء دور الحضانة الأجنبية، والأهم الرغبة في تواجد الطفل وسط بيئة متناغمة ثقافياً واجتماعياً وآمنة صحياً ومهنياً.