زعم ايهود أولمرت بأنه «يحلم» بسلام شامل مع «الأعداء» في غضون «خمس سنوات»! فجأة، ربما اعتقد أن بكلامه هذا يمكنه ضرب عصفورين بحجر، من جهة يتجنب الرد المباشر والواضح على عرض السلام العربي، ومن جهة ثانية أنه هو أيضاً يتحدث ويتطلع إلى سلام «شامل» مع العرب، ولهذا حرص على إضفاء مسحة من الرغبة الجادة في تحقيق حلمه المزعوم، لكن ربما فاته أن إشارته السلمية هذه المربوطة بمرحلة زمنية أتت عشية أول أبريل؛ فبدت وكأنها ممهورة بكذبته مسبقاً.

في حواره مع الصحف الإسرائيلية الثلاث الكبرى، قال أولمرت كل شيء في المبادرة العربية؛ ما عدا الشيء الوحيد المطلوب منه قوله فيها: هل يقبل بها ولو في المبدأ، أم لا؟، لف ودار وطاف ليبقى بعيداً عن هذا الجواب. بل في الواقع لتمييعه، أسلوب احترفه المسؤولون الإسرائيليون من زمان، كلما انحشروا لجأوا إلى التزويغ والتهرب من الكشف المباشر للأوراق والمواقف.

وبعدما سبق ونوه ببعض بنوده، اضطر أولمرت إلى وصف العرض بأنه «تغير ثوري» وإلى تصنيف القمة بأنها تطور جدي، كما أشار إلى أن المبادرة «أضافت نقاطاً عديدة إلى العرب في الساحة الدولية»، وربما كان هذا أكثر ما أقلقه، ولذلك سارع إلى الحث على وجوب استعادة إسرائيل للمبادرة «كي لا تبقى بأيديهم لوحدهم»، فما يهمه ليس ما في «المبادرة العربية»، بل في كونها أخذت زمام المبادرة من إسرائيل.

من هنا سارع إلى التطويق والتنفيس لتقليل الخسائر كما لمنافسة الطرح العربي للسلام وذلك من خلال حديثه عن «سلام شامل ممكن خلال 5 سنوات».لكن وراء هذه «الكليشية» الدعائي بقيت الشروط التعجيزية الإسرائيلية نفسها والتي تتلخص بمعادلة التطبيع قبل التوقيع، على أن يكون التوقيع بالمفرق مع الدول العربية، وليس معها جميعها، بل فقط مع الدول «المعتدلة حسب التصنيف الإسرائيلي»، وهو تصنيف تفوح منه رائحة محاولة دأبت عليها إسرائيل، تهدف إلى التفريق بين العرب.

وكان ذلك واضحاً في البيان الرسمي الذي صدر عن وزارة الخارجية الإسرائيلية بالتنسيق مع مكتب أولمرت، حول مؤتمر القمة العربية الأخير، فقد جاء فيه ما يشبه الدعوة الموجهة إلى الدول العربية «المعتدلة» للدخول في حوار مباشر مع إسرائيل التي «تؤمن بالسلام وحسن الجوار.. وهي معنية بالحوار مع الدول العربية الراغبة في السلام معها بهدف التقدم على طريق التطبيع والتعاون».

الرسالة واضحة، تل أبيب لا تعمل ولا تؤمن وبالتالي لا تزمع التجاوب مع مشروع بالجملة، ولا تعترف بتسوية تقوم على صيغة الرزمة الواحدة الشاملة التي تحتوي على مقايضة الأرض بالسلام، فهي لا تتخلى عن سياسة الاستفراد ولا عن معزوفتها القديمة ـ الجديدة في الاستنساب والدوبلة المزيفة.

العرض العربي صريح، لا يحتمل التأويل ولا يحتاج إلى الاستيضاح. «شطارة» أولمرت ومزايدته في العزف على وتر «السلام الشامل» لا يكشف زيفهما وتزامنهما مع أول أبريل وحسب بل أيضاً اعتمادهما على لغة باتت مفضوحة في ديباجتها كما في مضمونها.