احترام الحريات ودولة القانون، إقامة منطقة سلم وازدهار، احترام الهويات والتقاليد المختلفة للدول الأعضاء وكذلك التنوع اللغوي والثقافي والمناطقي، هذه هي بعض المفاهيم التي وردت في بيان العيد الخمسين للاتحاد الأوروبي والتي هي أساسا مفاهيم مفاتيح في عملية البناء الأوروبي التي احتفلت أوروبا يوم 25 مارس بنصف قرن من انطلاق تلك العملية:
عملية الوحدة المتعثرة حينا المرتبكة أحيانا والمتقدمة ولو ببطء دائما. أوروبا اتجهت نحو الوحدة التعاونية التعاقدية الناتجة في كل خطوة من خطواتها عن تفاهم »من تحت«، تفاهم على مستوى المجتمعات وليس على إسقاطات تأتي من »فوق«، من إرادة حاكم في لحظة معينة باسم عقائد كبرى أو لتعزيز زعامته.
هذه هي فلسفة البناء الأوروبي في عملية تاريخية شاملة وتراكمية تطورت بخطوات ثقيلة حينا وسريعة أحيانا واجتازت حواجز متعددة ومختلفة في خمسة عقود. وللتذكير وهذه من أهم الدروس أن الوحدة التي بدأت بدول ست ضمت بعد خمسة توسعات 27 دولة وهي أيضا أمام توسع سادس لضم دول كانت في المدار السوفييتي سابقا.
التوسعات الثلاثة الأخيرة تعكس بشكل خاص مصالحة الجغرافيا مع التاريخ بعد نهاية الحرب الباردة. أوروبا اليوم التي تضم 489 مليون مواطن مازالت تعتبر ماردا اقتصاديا وقزما سياسيا في الوقت ذاته. يصفها البعض أنها تتحرك مثل البطة العرجاء ناشطة في الاقتصاد تتكلم وتفاوض بلغة واحدة في المجالات الاقتصادية والتجارية والمالية وغائبة عن المسرح الدولي، خارج دبلوماسية الإعلانات والمواقف المتكررة، كطرف فاعل في السياسات الدولية. الأجندة الأوروبية في العيد الخمسين تبدو مثقلة بالتحديات التي يحاول الأوروبيون التعامل معها عبر دروس الماضي القريب والبعيد.
ــ الخلاف حول الدستور الجديد الذي أسقط مشروعه كل من الاستفتاء السلبي الفرنسي والهولندي عليه عام 2005 مقابل إصرار ألمانيا ومعها عدد من الدول الأخرى على تحديد موعد بعد عامين لإنجاز هذا الدستور: يقابل ذلك طروحات تطرح خيارا ثالثا قوامه الاتفاق على دستور مبسط .
كما يقول المرشح الرئاسي الفرنسي نيكولا ساركوزي يقوم على الأهداف المتفق عليها مع الحفاظ على الآليات الإجرائية والتنفيذية التي لم تكن مصدر خلاف. تعكس مشكلة الدستور وجود مشكلتين أساسيتين في أوروبا عند مفترق الطرق في العيد الخمسين أولا وجود نخب أوروبية معولمة في اهتماماتها ومصالحها وثقافتها مقابل تزايد القوى والحالات الشعبية الخائفة من الدخول في المجهول مع العولمة والتي تعتبر الأوروبية إحدى الخطوات الأساسية في العولمة.
ويتجه هذا المزاج الشعبي المتزايد نحو الانطواء ونحو تصاعد حدة المشاعر الوطنية بحيث تلتقي عملية التمسك الشديد بالهوية الوطنية والخوف من ضياعها من جهة مع التمسك بالمكاسب الاقتصادية والاجتماعية والخوف من ضياعها خارج الدولة الوطنية. ثانيا، الخوف مما يسمى بالعجز الديمقراطي كأن تنقل السلطات إلى البيروقراطية الأوروبية غير المنتخبة وبالتالي التي لا تخضع للمساءلة الشعبية حسب الأصول والأعراف والتقاليد الديمقراطية التي تشكل الانتخابات إحدى أهم وسائل المساءلة فيها.
ــ إشكالية ثنائية التعميق والتوسع، وهي إشكالية مستمرة وضاغطة بثقلها مع كل توسع أوروبي جديد وهنالك لائحة مفتوحة بالدول المرشحة أو التي ترشح نفسها للدخول إلى »جنة« الاتحاد الأوروبي، رغم الدعوات الأوروبية لاستراحة المحارب فيما يتعلق بالتوسع أو لالتقاط الأنفاس.
وهنالك الخوف من أن التوسع السريع سيثقل آلة الاندماج الأوروبي التي قد تنكسر تحت ثقل احتياجات الدول الجديدة في التوسع مما يحول أوروبا إلى منطقة تبادل حر فقط بدل أن تكون فاعلا اقتصاديا أساسا وسياسيا لاحقا على الصعيد الدولي. وللإشارة إلى تكاليف التوسع نذكر أن أسبانيا قد حظيت على مساعدات بقيمة 190 مليار دولار منذ أن انضمت إلى الاتحاد الأوروبي عام 1985 من أجل إحداث نوع من التوافق والتساوي مع ما يعرف بالخط المتوسط للاقتصادات الأوروبية للدول الأعضاء.
كما تطرح إشكالية التعمق والتوسع أيضا الأفق الاستراتيجي والثقافي لأوروبا ويبرز في هذا الخصوص انتقادات البعض مثل بولندا الكاثوليكية جدا ومعها الفاتيكان غير العضو بالطبع إلى عدم الإشارة إلى الإرث المسيحي الديني لأوروبا من جهة كما يبرز أيضا عنصر الهوية الثقافية الدينية ولو بشكل غير مباشر أحيانا عندما تطرح قضية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.
ويرى بعض المراقبين أن النجاح الاقتصادي في بلورة قوة اقتصادية أوروبية كبرى غير كاف لتكون أوروبا قطبا دوليا حتى في الشؤون الاقتصادية الدولية إذا لم يواكب ذلك القدرة على التصرف كطرف سياسي استراتيجي على الصعيد الدولي. والتوسيع أيضاً يبطئ من سرعة بلورة القرار السياسي المشترك.
ــ تحديد العلاقات مع واشنطن أو إعادة صياغة العلاقة الأطلسية في ظل عدة معطيات منها أن أوروبا تعتبر نفسها مدينة في تحررها وانطلاقتها الأساسية للولايات المتحدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وان الكثير من الأوروبيين يقرون بالدور الأميركي في الانتهاء من الثنائية القطبية مع سقوط الاتحاد السوفييتي وتحرير أوروبا الأخرى وكذلك أن أكثر الدول الجديدة في الاتحاد الأوروبي ذات علاقات إستراتيجية و»عاطفية« خاصة مع الولايات المتحدة باعتبار أن نخبها في السلطة قد اعتمدت بشكل أساسي على واشنطن عندما كانت في المعارضة .
وأنها مدينة لواشنطن في دعمها لها في الربع ساعة الأخيرة قبل سقوط جدار برلين وقبل التحول في هذه الدول من الشيوعية إلى الليبرالية رغم ما يحدث الآن من خضات سياسية واجتماعية في بعض الحالات بعد سياسات رد الفعل الأولى والطبيعية غداة سقوط النظام الشيوعي.
ذلك كله يزيد من تعقيدات صياغة العلاقات مع واشنطن خاصة عندما تعيش هذه الأخيرة »لحظة« القوة الفائقة التي ترفض مشاركة الآخر ولو كان حليفا في صنع الأجندة الدولية وخاصة في ظل انعدام التوازن على المستوى السياسي بين وحدانية القرار في الدولة الأميركية وبين غياب القرار الموحد ومعه غياب بعض الخيارات الإستراتيجية الأساسية خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع واشنطن في الإطار الأوروبي.
أوروبا تبحث عن دور شريك في علاقة غير متوازنة ومع طرف متردد في القبول بفكرة الشريك في صنع القرار ولو كان شريكا صغيرا. هذه هي حال العلاقات الأوروبية الأميركية حاليا والتي تجري صياغتها على الأرض أو بشكل عملي في المسرح الشرق أوسطي حيث تحتل القضايا المشتعلة هناك سلم الأولويات الأميركية .
وحيث تبدو أوروبا عاجزة عن بلورة موقف يخدم مصالحها في منطقة ذات أهمية إستراتيجية لها وهي ممزقة بين اللحاق بواشنطن للتأثير ربما في سرعة واتجاه القطار الأميركي في الشرق الأوسط من جهة وبين معارضة واشنطن دون أن تمتلك التأثير في دفع واشنطن لإعادة النظر في بعض سياساتها التي يرى بعض الأوروبيين أنها قد تؤدي إلى مزيد من تفاقم الأوضاع في الشرق الأوسط من جهة أخرى.
ــ مع الوحدة الألمانية ومع التوسع الأوروبي الأخير انتقل مركز الثقل الأوروبي من الجنوب إلى الشرق، من أوروبا المتوسطية إلى وسط أوروبا مما يخلق مزيدا من الدينامية التنافسية في الإطار الأوروبي بين أوروبا القديمة المتوسطية وأوروبا الجديدة التي تتطلع إلى شرقها وما ابعد منه في صياغة أولويتها الخارجية.
لكن تبقى أوروبا بسبب الجغرافيا وبسبب التاريخ والاجتماع الأوروبي متوسطية في اهتماماتها وأولوياتها وبالتالي يبقى التحدي الكبير أمامها يتعلق ببلورة سياسات تجاه العمق العربي والعمق الإفريقي »للبحيرة« المتوسطية.
في الذكرى الخمسين للبناء الأوروبي، تبدو الأجندة الأوروبية مليئة بالتحديات الداخلية والخارجية وهي تحديات مترابطة ومتداخلة، موزعة في الاهتمام بين مطالب الداخل وضغوطات الخارج وهي ضغوطات تفرضها مستجدات وتحديات دولية متزايدة.
ويبقى الهدف الأساسي على المستوى الفلسفي والاستراتيجي العام لأوروبا أنها مشروع في قيد التطور بشكل تجريبي وتدريجي يبحث عن بلورة هوية إقليمية حاضنة للهويات الوطنية الأوروبية. ويبقى المشروع الأوروبي رغم العديد من سلبياته وعوائقه بمثابة التجربة الأنجح والنموذج العالمي في سياسات الأقلمة أو التعاون الإقليمي الشامل.
أنها دروس قد تكون مفيدة أيضاً للعالم العربي، عالم الهوية الواحدة أساسا والفاقد لأي مشروع جدي خارج مشاريع حاملة لمطلقات عقائدية حينا ولأفكار مجردة ضبابية أحيانا. مشاريع تطرح الكل أو اللاشيء وهي ذات نفس قصير في العمل السياسي المشترك. انه عالم الهوية الواحدة الذي مازال يفتقد منذ أكثر من ستين عاما من نشأة النظام الإقليمي العربي لمشروع شامل في رؤيته، تدريجي وتجريبي في حركته يقوم على مفهوم للوحدة مازال بعيدا عن مجمل الثقافة السياسية العربية.
مفهوم للوحدة يقوم على احترام التنوع والتعدد وعلى الحفاظ على الخصوصيات باعتبار هذه كلها مصدر غنى وقوة دفع للتوحد تجاه الخارج. لعل دروس العيد الخمسين الأوروبي تفيد العرب في إعادة النظر في تجاربهم الماضية وفي رؤيتهم للمستقبل. يبقى المشروع الأوروبي رغم العديد من سلبياته وعوائقه التجربة الأنجح في سياسات التعاون الإقليمي.
كاتب لبناني