اختتمت القمة العربية التاسعة عشرة بعد يومين من الكلمات والمناقشات العلنية وخلف الجدران المغلقة، بإعلان جملة من القرارات التي تناولت قضايا معقدة ومتشابكة التي تواجه العرب في ظرف تاريخي لا يصلح معه التراخي في اقتحام الملفات الساخنة، التي تشكل صداعا دائما لأمة محاطة بكل أشكال التحديات.

وكما هي العادة في نهاية أعمال القمم العربية صدرت جملة من القرارات التي شكلت نحو 1200 كلمة، وإعلان حمل اسم الرياض العاصمة التي استضافت 18 زعيماً وقائداً عربياً، وبعيدا عن الديباجة والكلمات التي قد يتشابه بعضها مع بيانات ختامية سابقة، فإن ما يميز قمة الرياض عن غيرها هذا النفس النقدي والاعتراف بالتقصير، والسعي إلى تدارك ما فات من قصور في ملفات لم تكن تتحمل التأجيل أو التسكين.

وعكست كلمات العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز، لغة جديدة في تسمية الأشياء بأسمائها عندما قال إن «اللوم الحقيقي يقع علينا نحن قادة الأمة العربية.. فخلافاتنا الدائمة ورفضنا الأخذ بأسباب القوة جعل الأمة تفقد الثقة في مصداقيتنا كما تفقد الأمل في يومها وغدها».

هذه الصراحة في النقد، لم تكن اقل درجة عندما كان الحديث عن الوضع في العراق وكونه يرزح تحت احتلال «غير مشروع»، وهو ما أثار حفيظة من على رأسهم « بطحة ».وفي الملف العراقي أيضاً جاء التأكيد على احترام وحدة وسيادة العراق، ورفض انجراره إلى هوة التقسيم الطائفي والمذهبي، التي تتربص بالعراقيين من كل حدب وصوب منذ الغزو الأميركي البريطاني قبل أربع سنوات .

أما النقطة التي تخوف منها الجميع وعزفت عليها الأطراف الاقليمية والدولية، وهي إجراء تعديلات على مبادرة السلام العربية التي جرى تبنيها في قمة بيروت عام 2002، لكن جاء التمسك بهذه المبادرة كما هي تكذيب لهذه الرهانات.

وفي الملف اللبناني كان التأكيد على دعم جهود الحوار بين الفرقاء اللبنانيين من اجل إحداث انفراجة في الأزمة اللبنانية مع عدم إغفال توجيه التحية إلى صمود لبنان ومقاومته الباسلة للعدوان الإسرائيلي.

وفي إعلان الرياض تمت الدعوة إلى «تحصين الهوية العربية ودعم مقوماتها ومرتكزاتها وترسيخ الانتماء إليها في قلوب الأطفال والناشئة والشباب وعقولهم باعتبار أن العروبة ليست مفهوما عرقيا عنصريا، بل هي هوية ثقافية موحدة تلعب اللغة العربية دور المعبر عنها». وهي قضية في غاية الأهمية في ظل حالة التخبط والارتباك التي تتنازع الهوية العربية في الوقت الراهن.

كما جرت على هامش القمة حوارات ولقاءات ربما كانت أكثر حيوية من قمم سابقة، غير أن نتائج ذلك كله تظل رهنا بما سيأتي مع الأيام، واثبات أن كلمات من نوعية «التأكيد على .. والحرص.. والضرورة .. » هي حقا في محلها، والعمل في سبيل انجاز ولو 50% مما تم الاتفاق عليه، كسرا لقاعدة الأقوال نارية، والأفعال من رحم الثلوج.

لا نريد التشكيك في النوايا، لكن التجارب السابقة، تجعل المواطن العربي ينظر بعين الشك والريبة، فقد تعود على سماع معسول الكلام من دون اقترانه بالفعل، وهذا المواطن يريد ولو لمرة واحدة على سبيل اختبار النوايا، كسر القاعدة، وان يرى أفعالاً أكثر وكلاماً اقل.

القضايا التي تواجه الأمة العربية وكانت محل نقاش وتفاعل في الرياض، تتطلب تحركات جادة وسريعة، مع الوضع في الاعتبار أن الأرض ليست مفروشة بالورود، فالألغام لا الأشواك تتربص بملفات قابلة للانفجار، والسؤال هل ينجح العرب هذه المرة في الولوج إلى تلك التحديات، وتحمل المسؤوليات التي تفرضها على الأمن القومي العربي؟ دعونا نرى نصف الكوب الملآن، ونتفاءل هذه المرة ونحاصر الهواجس التي تنتابنا في كل مرة يجتمع فيها العرب ليتصافحوا أمام الكاميرات ثم ينفض المولد على وعد بلقاء قريب.