يبدو أن الحياة تتغير بشكل سريع، كما هي الحال بالنسبة للعالم في الألفية الثالثة، لم يعد الوقت مملاً، أو يسير بشكل بطيء، إن العالم يحاول أن يساير سرعة الصوت أو ربما الضوء، الجميع يحاول أن يلحق بقطار السرعة، اليوم أصبح يعد كساعة من زمن القرن التاسع عشر، ذلك القرن الجميل، والذي كان الإنسان يستمتع فيه بيومه بين ساعات النهار الطويلة، تحت أشعة شمس جميلة، وعلاقات اجتماعية، قد تكون قاسية، إلا أنها تسير بصورة بطيئة، وفيها يتنفس الإنسان الهواء النقي، الخالي من ملوثات الحضارة القاتلة في القرن الحالي .

أما في الليل فإن لضوء القمر، القادم من آلاف الأميال بريقاً أخاذا، ومعاني شاعرية تجمع العاشقين الذين يجعلون من القمر مرسالاً لهم، يبثون إليه أشجانهم ويناجون من خلاله من يحبون، ويظل الإنسان في ذلك الزمن، يحلم بلقاء من يحب تحت ضوء القمر .

وحين ذاك تكون لهبات النسيم الباردة محفزاً للإنسان للبحث عن عالم جديد، عالم ما بعد الثورة الصناعية، وعالم ما بعد البحث عن حقوقه، في ظل آراء عصر التنوير والبحث عن العدالة والمساواة، وبعيداً عن هيمنة عصور الأغلال والعبودية، والبحث عن عالم جديد، عالم يتحقق فيه حلم الباحثين عن الجنة في الأرض، عن تلك الحبيبة التي تعطي للإنسان الأمن والاستقرار. في ظل معزوفة اللحن التاسع لبتهوفن، ومعزوفة التحرير من العبودية .

تلك الألحان الخالدة التي بشرت ذات يوم بتحرر الإنسان من عبودية أخيه الإنسان وظلمه واستغلاله وجوره وأغلاله التي عمل كثيراً حتى يكسرها ليصرخ بفرح أنا حر .لم يكن الإنسان يدرك أن التقدم العلمي سوف يخلق قيوداً جديدة تطوق عنق الإنسان في عالم طالما حلم به كنقلة نوعية نحو الأفضل، إلا أنه لم يدرك أن ذلك سوف يؤدي إلى خيبة أمل مريرة تعود به ثانية إلى حلم التحرر من القيود، والعودة إلى البحث عن سبارتاكوس جديد يناضل من أجل التحرر من قيود أخيه الإنسان !! .

لم يكن الإنسان يدرك أن حلم عباس بن فرناس في الطيران، وحلم المدينة الفاضلة، والتنافس بين المادية والمثالية سيؤدي إلى ازدياد عدد الإغلال حول عنق الإنسان ، مما قد يؤدي إلى تدمير العالم الجميل للإنسان، حلم التقدم والتطور أو الصراع، وربما التمييز هو الذي يؤدي إلى الصراع الأبدي بين المعادلتين :

الخير والشر، أو بين المثالي والمادي، وإن الطبيعة السوداوية للإنسان هي التي قد تؤدي إلى بروز السيف بدلاً عن الكتاب، وإن معادلة هابيل وقابيل قد تتكرر من جديد مرات ومرات، وبأشكال متعددة وربما بقسوة أشد، حيث لم يعد يكترث الإنسان وهو يصرع أخاه أن يبحث له عن قبر، فيتركه في العراء لتأكله الغربان !!ظل الإنسان في حيرة من أمره عند البحث عن الحقيقة وعن المطلق، ووجد صعوبة في الدخول في لعبة التوازن والاختلال، مرة أخرى يبرز الصراع من جديد بين الإنسان الحضاري، وذاك المتوحش الذي يبحث عن الدمار والهلاك.

كان البحث في الحقيقة، مكلفاً للإنسان، حيث إن الحقيقة ملك للأقلية التي تمتلك الوسائل، ولذا فقد كان البعض يمتلكها على حين أن الأغلبية كانت تدفع ثمن البحث عنها، وكانت صكوك الغفران لمن يستطيع أن يدفع، إلا أن ذلك لم يدم طويلاً في ظل أولئك الفرسان الذين يدفعون حياتهم من أجل المعرفة.

ألا تدل كتب التاريخ أن أولئك الذين يرفعون رايات البحث عن العدالة، هم أولئك الذين رفعوا رايات المعرفة ضد الظلام سواء في الشرق أو الغرب، وأن الإنسان هو الذي يؤمن بأن المعرفة ملك للجميع، كان ذلك في زمن تحيط بالإنسان العديد من الأسوار والقيود، والتي لم تعد باقية الآن بعد أن أصبح عالم المعرفة رحباً وفي متناول الجميع .

إن الانتقال من ذلك الزمن إلى المرحلة الحالية تؤكد على أن البشرية قد دفعت الكثير من الأرواح والوقت لتصل إلى الحقيقة، وأن البشرية لم تعد تطيق تلك القيود سواء من الطرح المثالي أو المادي، وأن قيود العصور الوسطى ثم قيود مرحلة ما بعد الحداثة وقيود التطور العلمي لم تعد قادرة على الصمود، لأن الإنسان ذا البعد المستقبلي يستطيع أن يتحرر من القيود، وأن يبحث عن الحقيقة، وأن يتخلص من صبر الإنسان البدائي، وعدم مبالاة الإنسان العصري، وأن يكسر قيوده للأبد .

إن الإنسان يبحث عن ضوء القمر بعيداً عن تلوث التقدم العلمي، ليعيد إلى نفسه نقاء البشرية في صورتها البدائية .إن الإنسان بحاجة للتحرر من القيود التي وضعها لنفسه خلال الألفيتين المنصرمتين، ويسعى ليعود إلى أحضان الطبيعة .

يريد الإنسان أن يعود إلى عالم الطبيعة، إلى عالم بلا قيود، وأن يؤكد أن التراث الإنساني سواء في العلوم أو الآداب أو الديانات أو غيرها قد حثت البشرية على إنهاء مرحلة الصراع، والتي قد تؤدي إلى دمار العالم، وعندها يكون الحلم في أن يعيش الإنسان بسلام سواء مع البشر أو مع الطبيعة قد تحقق، وحين ذاك لا حاجة لحلم جميل في أن الحياة تتسع للجميع، لأن مثل هذا الحلم أصبح حقيقة نعيشها، ولأن الإنسان وصل إلى أن يعيش في جنة الله على الأرض . كما تصورها الإنسان في أحلك الظروف، إلا ان الحياة تستحق النضال من أجل الحق والحقيقة، والتي هي من الأهداف الأساسية للحياة . أليس كذلك يا صاحبي .

رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»

malmutawa@albayan.ae