تزامن انعقاد القمة العربية في الرياض مع احتفال الاتحاد الأوروبي بمرور 50 عاماً على الاتفاقية التي تم التأريخ لها باعتبارها نواة الوحدة الأوروبية الأولى. ولعل هذه المصادفة الزمنية كفيلة بتسليط الضوء على معضلة تختزلها الجامعة العربية ومؤتمرات القمة.
لقد أثبتت التجربة التاريخية أن الوحدة والتنسيق بين الدول وكل صيغ التعاون والاتحاد تأتي استجابة لضرورات قصوى ليس اقل منها الأمن الوطني للدول الذي يدفع القادة دوما لتلمس صيغ أكثر شمولا بحيث يصبح الأمن الوطني جزءا من منظومة أوسع إقليميا أو قاريا.
يصدق الأمر على تجربة الوحدة الأوروبية مثلما يصدق على تجربة الجامعة العربية، لكن كلا النموذجين أفضيا إلى نتائج معاكسة تماما. فالفعالية التي أثبتتها تجربة الوحدة الأوروبية يقابلها انعدام للفعالية وتمزق وانقسام أصاب الجامعة العربية بالشلل وحولها إلى ما هو أشبه بمنتدى للنقاش.
جاءت اتفاقية روما عام 1957 لتؤسس سوقا أوروبية مشتركة، وكانت هذه الاتفاقية مبنية على اتفاق تم قبل ذلك التاريخ لتأسيس جمعية ليس لها اسم أخاذ أو ذو جاذبية: (جمعية الفحم والفولاذ الأوروبية) التي تأسست عام 1951 بمبادرة من ألمانيا (الغربية سابقا) وفرنسا وايطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ.
ربما كانت هذه هي البداية التي افتقدتها جامعة الدول العربية، الاقتصاد. فالجامعة العربية تأسست تحت وطأة خطر كبير على الأمن القومي العربي مع نشأة إسرائيل. وعلى الرغم من أن محاولات عبد الرحمن عزام باشا كانت اسبق على الكارثة، لكن الصراع في فلسطين كان قد بدأ قبل ذلك بوقت طويل منذ العام 1917.
لقد حكمت السياسة مسيرة جامعة الدول العربية بشكل لا فكاك منه حتى اليوم رغم الإدراك المتأخر لدى الدول العربية منذ تسعينات القرن الماضي على الأقل بضرورة ايلاء الاقتصاد والتبادل التجاري أهمية اكبر باعتباره الوسيلة المثلى لتحقيق الوحدة السياسية أو الحدود الدنيا منها.
لقد استغرقت الوحدة الأوروبية بشكلها الراهن وقتا طويلا منذ خمسينات القرن الماضي وصولا إلى العام 2000. لقد قضى الأوروبيون أربعة عقود منذ اتفاقية روما وصولا إلى اتفاقية ماستريخت عام 1992. لكن احد عناصر قوة التجربة الأوروبية هي أنها تمت بإرادة شعبية. لقد ظلت البرلمانات الأوروبية هي مصدر القرار الأخير في كل دولة، وفي هذا الصدد قدم الأوروبيون برهانا عمليا أكثر من مرة على أن الوحدة قد لا تكون مطلبا لقطاعات كبيرة من الشعب وهو ما أثبتته الاستفتاءات الشعبية في أكثر من بلد أوروبي.
على العكس من ذلك، أسهم غياب الديمقراطية والطبيعة الاستبدادية العربية دوما في جعل الوحدة العربية أو فكرة التنسيق على النطاق القومي أمرا مرهونا بالإرادات السياسية والتحالفات ومصالح النخب الحاكمة فحسب. لم تفعل هذه الطبيعة وغياب المشاركة الشعبية في القرار إلا أن أوجدت مناخا متقلبا على الدوام خضعت له مؤسسة الجامعة. وفي الوقت الذي كان الأوروبيون يطورون صيغ الاتحاد من مرحلة إلى أخرى بعد أن تستنفذ كل صيغة مداها الزمني وجدواها، بقيت الجامعة العربية دون أي تغيير منذ إنشائها.
ورغم المصاعب التي ظلت تواجهها فكرة الوحدة الأوروبية والتنازع الذي لا يتوقف بين المصالح الوطنية والمصالح القارية والتضحيات التي يتعين دفعها وطنيا، الا أن آليات الديمقراطية ظلت هي الوسيلة النهائية والوحيدة للتقدم. فما ترفضه حكومة وصلت الحكم عبر صناديق الاقتراع، ستقبله حكومة أخرى ستصل بعدها للحكم عبر صناديق الاقتراع.
ابعد من هذا، فان كل التطورات وأشكال التقدم والمقترحات في تجربة الوحدة الأوروبية ظلت ولاتزال خاضعة للنقاش العام في كل البلدان الأوروبية. فهي ليست شأنا محتكرا من قبل الحكومة والبرلمان، بل أن النقاش العام يمضي بها إلى ابعد الحدود لتصبح قضية مطروحة على مستوى الحياة اليومية وبمشاركة شعبية واسعة.
ربما أنها نفس الميزة التي تعطي أفضلية لتجمع دول (الآسيان) في قارة آسيا، وهذا إن كان يثبت شيئا فهو يثبت أن طبيعة ديمقراطية النظم السياسية واستقرارها بالمشاركة الشعبية يبقى أمرا أساسيا للتقدم في ميدان الوحدة الإقليمية أو القومية.
كاتب وصحافي بحريني
