واحدة من إيجابيات وميزات قمة الرياض العربية أنها قدمت العناوين الرئيسية أو الإطار العام للإجابة عن سؤال: ماذا بعد؟ الذي ارتبط على الدوام بمؤتمرات القمة وظل حبيس علامة الاستفهام.

- وذلك هو السؤال الذي يحتشد بتطلعات تنفيذ القرارات والذي بدونه تظل الإيجابية العربية منقوصة أو نظرية ووقتية لا تتجاوز موعد انعقاد القمم.

- وبدون التجسيد الواقعي تظل القرارات بلا معنى وبلا مردود ينعكس على مصالح الأمة وحقوقها بما يعزز من إمكانية تنميتها وتأمينها.

- وما أن انتظمت القمم كواحدة من قنوات إمداد العمل العربي المشترك بعوامل الحيوية حتى وجدنا الخطوات تتقدم في الاتجاه الواقعي المتوافق مع متطلبات العملية والإنجاز وليحدث الانتقال إلى مواقع الإنتاج السياسي للبدائل والحلول الكفيلة بتجاوز أوضاع المعاناة.

- وتكتمل حقائق هذا التحول وترتسم صورته الناصعة باستكمال إجابة التساؤل عما بعد القمم العربية وهو الأمر الذي بات قريب المنال بعد قمة الرياض.

- ولقد تولت هذه القمة التمهيد لذلك بإقرارها لمسألة عقد القمم التشاورية المركزة أعمالها على أي تطور وحدث طارئ ينطوي على درجة من التداعيات الخطرة وإطار آخر للرد الإيجابي تتبلور خطوطه من خلال الموافقة على عقد القمم المتخصصة وقد تم مباشرة الترتيبات للقمة الاقتصادية القادمة.

- وفي حين توفر التشاورية مقتضيات التعامل الفوري والعلاج السريع للمشكلات والأزمات الطارئة والمستجدة تتكفل التخصصية بإرساء الأسس الدائمة للتعاون والتكامل العربي وتمهيد السبيل من ثم لبلوغ قمة الشراكة الإنمائية.

- وتوصلنا هذه النقلة في أبعادها النهائية إلى النتيجة الأمنية، والتي تستوطن العقول والنفوس العربية بأن يأتي اليوم الذي تصبح فيه تداعيات الأوضاع ومعالجاتها في نطاق السيطرة والاقتدار العربي ومؤدى ذلك أن العد التنازلي قد بدأ لحالة خروج الخصوصيات العربية إلى خارجها وانفتاح ساحتها السياسية أمام التدخل من الغير.

- وتنبني على قاعدة التعاون الاقتصادي عوامل التمكن من تكريس مبادئ تحقيق المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة في العلاقات العربية الدولية.

- وتتاح من خلاله أيضا لمجتمعاتنا توظيف مُقّدراتها الاقتصادية في وجهة الاستفادة السياسية من مكامنها الحيوية وارتباطها السببي بالمصالح الدولية في ما يخدم دعم حقوقها المشروعة واحتلالها موقع التقدير والاعتبار المستحق في حسابات وخيارات القرار الدولي.

- ولاستكمال عوامل الرد العملي والواقعي على السؤال: ماذا بعد؟ معلمه التاريخي كإنجاز يتحقق ليس فقط للمرة الأولى وإنما أيضا في إظهار وإثبات اقتدار القادة العرب في تمثل تطلعات شعوبهم والتعبير عنها سياسيا وتجسيدها واقعا معاشا.

- ولذلك شأنه الكبير، بل العظيم، في خلق حالة التلاحم المطلوبة بين الجهدين الرسمي والشعبي وسد أهم وأخطر منافذ التسلل الخارجي إلى الشأن العربي واستلاب الإرادة العربية. ويكفي ذلك لاستشراف مستقبل عربي جديد قادم.