بغضّ النظر عن مآل المبادرة العربية، ومصيرها المعروف مسبقا، يلاحظ كل متأمّل للأوضاع السياسية والأمنية التي تتخلّل الجغرافيا والتي تتوجّه لها المبادرة، أنها أوضاع هشّة جدا، على الرغم من حالة السّكون الحالية التي تعيشها حاليا تلك الجغرافيا، بعد الحرب اللبنانية ـ الاسرائيلية الأخيرة، وبعد التقاتل الفلسطيني ـ الفلسطيني الذي سبق اتفاق مكّة!

فالأوضاع على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية، والإسرائيلية ـ السورية هشّة جدّا، ويمكن اشعال فتيلها في أي لحظ وتحت أية تعلّة. والمواجهات الفلسطينية ـ الفلسطينية، انحسرت ولكنّ بعض تواتراتها مازالت متواصلة. وحتى الاتفاق الذي تمّ مؤخرا في مكّة، لم يشتدّ عوده بعد، ولم يرتق الى الحلة الوطنية المقبولة التي لا تراجع عنها!

والمبادرة العربية كما هو معلن، تخصّ جغرافيا 3 دول عربية هي فلسطين وسوريا ولبنان. زائد الطرف الآخر أي اسرائيل، التي كثيرا ما تصيّدت فرص التوتّر في هذه الجغرافيا وفي المنطقة المحيطة بها، لتغيير كلّ تطوّر سياسي حولها، وكل استحقاق يحاصرها. وكل ثمن عليها أن تدفعه، فتجعل الأطراف الأخرى هي التي تدفع الثمن، وهي التي تبحث عن الخروج من مأزق جديد، وهي التي تحمل ثقل كل تطوّر سياسي.

ولقد تعوّدت اسرائيل طويلا، على قاعدة أن الحرب هي شكل متقدّم لممارسة السياسة والديبلوماسية، فسارعت الى ممارستها دائما في مثل هذه المحطات. ومن المحطات الشهيرة التي مارست خلالها هذا الأسلوب، ما حدث بعد قمة فاس التي تبنّت مشروع الراحل فهد بن عبدالعزيز، والتي أعقبها هجوم كاسح على لبنان وطرد القيادة الفلسطينية منه، ومن آخر هذه المحطات، ما مارسته مع المبادرة القديمة ـ الجديدة، بعد أن تبنّتها قمّة بيروت، فبعد التبنّي هوجمت المقاطعة وحوصر الرّاحل عرفات!

وإسرائيل بالطبع لم تتغيّر، لذلك يراهن الآملون في مآل هذه المبادرة على تغيّر حصل في العالم، وخصوصا في الولايات المتحدة حول مثل هذه السلوكيات للدولة العبرية، فهم يرون أن الحالة الدولية الحالية لا تسمح بمواصلة عبث اسرائيل، ولا بتبرير هذا العبث إن هو حصل، وبالتالي فإن اسرائيل الآن ملجومة وغير قادرة على عدول جديد، يقيها شرور السلام الذي يلوح!

أما الولايات المتحدة، حليفها الكبير، فإنها بدورها من جهة مورّطة في حرب، ومن جهة أخرى غير قادرة على مزيد من فقدانها للمصداقية في العالم العربي الرّسمي والشعبي!

وبالتالي فإن أبواب الأمل حسب هذه القراءة فتحت على مصراعيها أمام امكانية للسّلام، لن تحصل بالطبع إلا بعد أن تجبر اسرائيل على الكفّ عن كلّ أشكال الاعتداء التي ظلّت تمارسها ضدّ الأطراف العربية، اجهاضا لكلّ محاولة سلام ولكلّ رهان عليه.لا التشاؤم ولا التفاؤل، سيبنيان الحلّ، إنّما الفعل والثقل العربيان، فكم هو وزن العالم العربي يا تُرى؟